تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
شرح
بطريق المحق وهو قوله : « إنه ليغان على قلبي » « 1 » ،قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ[ الكهف : الآية 110 ] ولما كان القرب إلى اللّه لا يكون إلا بالعلم وعدم التأثر من الأحوال ، لأن العلم يحقق العبد بعبوديته التي تقربه إلى سيده ، فإن العبد على قدر تحققه بالعبودية يكون قربه من الحق ، لأن العبودية تلي الربوبية ، كما أن الخلة أو الصديقية تلي النبوة ، فليس بين العبد والرب فاصلة أصلا ، والتحقق بالعبودية هو الأمر المطابق لحقيقة الممكن ، والممكن برزخ بين الواجب والمحال ، فليس بين الواجب والممكن فاصلة أصلا ، فمن غفل عن عبوديته التي هي عين إمكانه دخل في حضرة الواجب سبحانه وذلك عين الجهل ، لأن الحقائق لا تنقلب كما أنه من تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة ، فكما أنه ليس بين الصديق رضي اللّه تعالى عنه ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحد ، كذلك ليس بين العبد المتحقق بأوصاف عبوديته وبين ربه أحد ، قال صلى اللّه عليه وسلم في هذا المقام : « لي مع اللّه وقت » « 2 » ( الحديث ) ، وقال اللّه تعالى :إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ[ فاطر : الآية 28 ] وعلى هذا فالكل عباد اللّه ، وما فاز العلماء بهذه الدرجة إلا لعلمهم وليس إلا عدم الغفلة ، فإن الأمر في نفسه لا يتغير ، فالحق حق والخلق خلق ، والسيد سيد والعبد عبد ، لا تمد رجلك في غير بساطك ، وإذا علمت هذا علمت أن الحال الذي هو ضد العلم نقصان كما أن العلم كمال ، ولهذا قال اللّه تعالى لحبيبه :وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً[ طه : الآية 114 ] وما قال له : قل رب زدني حالا . وما نسب اللّه إلى حضرته من خلقه إلا العلماء ، وما تمدح بشيء من الصفات كتمدحه بالعلم ، وكيف لا وهو مبدأ التعينات مطلقا سواء كانت أسمائية أو كونية ، ألا تراه تعالى كيف قال لرسوله صلى اللّه عليه وسلم :وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ[ الأعراف : الآية 205 ] وهو دليل على الذكر النفسي ، ولا يذكر إلا من له علم بالمذكور تضرعا ، ولا يتضرع إلّا من يخاف وخيفة ودون الجهر من القول ، وهو عين
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه ، حديث رقم ( 41 - 2702 ) ، ونصه : « إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر اللّه في اليوم مئة مرة » . ورواه أحمد في المسند ، حديث رقم ( 18321 ) . ورواه أبو داود في سننه ، كتاب الوتر ، باب في الاستغفار ، حديث رقم ( 1515 ) . ورواه غيرهم . ( 2 ) أورده العجلوني ، في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2157 ) ، ولفظه : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل » .