ولا يزال يقول في كل نفس :
رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : الآية 114 ] ما دام الفلك يجري بنفسه ، ويجتهد أن يكون وقته نفسه .
شرح
شهوات النفس ، وفي الجملة إنه يخالف الشريعة المحمدية حتى يلومه الناس ، فإن من هذه صفته ونعته أشر من الوسواس الخناس ، وهو ذو جهل مركب وداء عضال وخيبة ووبال وبعد عن الكبير المتعال ، وليس دواءه إلا سيف الشرع نصرة للّه ، والواجب على كل متدين ينسب نفسه إلى أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم قمع من هذا اعتقاده وحربه ، فإن إفساده أعظم من إفساد المحاربة من سائر الملل والنحل لأنه في الأجساد وهو في الأرواح ( و ) إذا كان الأمر على هذا ، فالواجب على من أثرت الأحوال فيه ، وظهر ما في باطنه على ظاهره بظهور خرق العوائد عليه ، وخلط العوالم بعضها ببعض ( أن يصرف خرق العوائد إلى سره ) فإن كان من أهل البدايات صرف ذلك إلى التخلي عن سفاسف الأخلاق والتحلي بمكارمها وذلك عين خرق العادة ، وإن كان من المتوسطين أفاق من صعقة الفناء في المشاهدة والاستهلاك في الحق بطريق المحق الموجب للظهور بمرتبة الخلافة على الكون في غير موطنها ، الذي هو عبارة عن الدنيا وتحقق بمرتبة البقاء والفرق بعد الجمع ، فمرة في عين التشبيه ومرة في التنزيه ، وعلم أحدية المتصرف والمتصرف فيه ، ورجع إلى وطنه الأصلي ومكانه الأول ، وهو الإمكان أعني برزخ البرازخ ، وهذا عين خرق العادة بالنسبة إليه ، وهكذا ينبغي أن يكون ديدن من أثرت فيه الأحوال من السالكين ( حتى يرجع له خرق العوائد عادة لاستصحابه ) الشعور التام بالنسبة إلى جميع الأحوال المؤثرة الموجب لإقامة الوزن بالقسط وعدم الإخسار في الميزان ، وصرف خرق العوائد إلى سره حتى ترجع إليه خرق العوائد عادة .
( و ) ينبغي له أن ( لا يزال يقول في كل نفس ) من أنفاس الرحمن إن كان المراد به الخلق الجديد ، أو من أنفاس الإنسان وهو الأظهر ، لقوله بعد هذا ما دام الفلك يجري بنفسه ، وهو هواء تجذبه الرئة ليبرد حرارة الجوف ويردها إلى الاعتدال ، الذي هو سبب الحياة ببرودة اكتسبها ورطوبة في ذاته (رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) كما أمر اللّه حبيبه أن يقول ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن ربي أدبني فأحسن تأديبي » فما أدب به قوله :وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها[ الإسراء : الآية 110 ] ، وقوله :وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً[ الإسراء :
الآية 29 ] الآية . وقوله :فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ[ الأنعام : الآية 90 ] ، وقوله :قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ[ الأنبياء : الآية 112 ] ، وقوله : عندما كان يغلب عليه الاستهلاك في الحق