تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
شرح
أعني : الوحدة ظهر الاعتدال في جميع أحواله وأقواله وأفعاله ، لأن البرزخ له الاعتدال التام بين طرفي الإفراط والتفريط ، ولهذا ما بعث إلا في دورة الميزان وهو العادل ، وبعث جميع الرسل الذين هم نوابه في دورة السنبلة ، ولهذا كان الغالب على المتقدمين اليبس ، وعلى هذه الأمة الاعتدال في جميع الأمور ، وظهر اعتدال حقيقته صلى اللّه عليه وسلم فيما أمر به مثل قوله تعالى :وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ[ الإسراء : الآية 29 ] ، وقوله تعالى :وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا[ الإسراء : الآية 110 ] وأمثال ذلك . ولما وصل صلى اللّه عليه وسلم إلى مقام « أو أدنى » أعني : الوحدة . التي هي نهاية النهايات وغاية الغايات ومبدأ التعينات ووحدة الوحدات ومصدر الكثرات ، وتجاوز غاية عروج سائر الأنبياء ، أعني : البرزخ الذي بين ظاهر الوجود وظاهر العلم ، ورجع إلى عالم حسه المقيد الأرضي ، أصبح بين قومه كواحد منهم ، وذلك لكمال اعتدال نشأته وبرزخية حقيقته ، لأنه ما امتاز عنهم بشيء ، ولو امتاز عنهم بشيء ما كانت حقيقته برزخ البرازخ ، وما كان لها المقام الشامخ ، لأنه كان إذ ذاك تحت حكم أحد طرفيه ، وهذا ينافي البرزخية الكبرى . فإن قلت : غاية عروج سائر الأنبياء هو البرزخ الذي بين ظاهر العلم وظاهر الوجود ، وعلى هذا يلزم أن يكون في درجة محمد صلى اللّه عليه وسلم في الاعتدال ، وأنت قد نفيت ذلك . قلت : نعم هم صلوات اللّه عليهم في غاية الاعتدال في هذا البرزخ ، الذي هو نهاية عروجهم ، وما بعده من البرازخ ، وأما ما فوقه فلا حكم لهم عليه بل له التحكم فيهم ، وليس وراء غاية محمد صلى اللّه عليه وسلم غاية ، لأنه القائل « لي مع اللّه وقت » ( الحديث ) فإن قلت : قد نفى الشيخ رضي اللّه تعالى عنه الاعتدال الحقيقي في جميع الأشياء حتى في الأسماء الإلهية ، فكيف تقول به قلت : ما نفاه الشيخ نوع من أنواع الاعتدال ، وهو أن تكون المتقابلات بواسطة التفاعل متكافئة من جميع الوجوه ، بحيث لا يرجح أحدهما على البواقي ، لأن ذلك يؤدي إلى عدم التكوين وانقلاب الحقائق ، وأنا لا أقول بهذا النوع من الاعتدال ، لأن الاعتدال الذي أثبته هو عبارة عن حقيقة مطلقة عن جميع القيود ، ونسبتها إليها على السواء من غير ترجيح ولو بوجه من الوجوه ، وهذه الحقيقة هي مبدأ جميع المتقابلات ، ولو مالت إلى أحدها لما صح كونها مبدأ للآخر إلا في مبدأ المتقابلات لا بد منه ، فافهم .