شرح
زمان وجود جسم محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكعيسى عليه السلام حين ينزل في آخر الزمان حاكما بشرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لتقدم شرعه في الظاهر ، لكن لما لم يتقدم في عالم الحس وجوده أولا صلى اللّه عليه وسلم نسب كل شرع إلى من بعث به ، وهو في الحقيقة شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإن كان مفقود العين من حيث لا يعلم ذلك ، كما هو مفقود العين في زمان نزول عيسى عليه السلام والحكم بشرعه ، ولما نسخ اللّه بشرعه المنزل عليه جميع الشرائع ، فلا يخرجها هذا النسخ عن أن تكون من شرعه ، فإن اللّه قد أشهدنا في شرعه الظاهر في القرآن والسنة النسخ مع إجماعنا واتفاقنا على أنه شرعه الذي نزل به ، فنسخ بالمتأخر المتقدم ، فكان هذا النسخ الموجود في القرآن والسنة تنبيها لنا على أن نسخه لجميع الشرائع المتقدمة لا يخرجها عن كونها شرعا له ، وكان نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان حاكما بغير شرعه الذي كان عليه في زمان رسالته ، وحكمه بالشرع المقرر اليوم دليلا على أنه لا حكم لأحد من الأنبياء مع وجوده أو وجود ما قرره من الحكم ، ويدخل في ذلك ما هم عليه أهل الذمة من أهل الكتاب ما داموا يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ، فإن حكم الشرع على الأحوال ، فخرج من هذا المجموع كله أنه ملك وسيد على جميع بني آدم ، وإن جميع ما تقدمه كان ملكا له ، والحاكمون فيه نواب عنه ، وإن كان قد وردأُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ[ الأنعام : الآية 90 ] فهو صحيح فإنه قال : « بهداهم » وهداهم من اللّه وهو شرعه عليه السلام ، أي : ألزم شرعك الذي ظهر به نوابك من إقامة الدين وعدم التفرق فيه ، ولم يقل : فبهم اقتده . وقال :اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ[ النّحل : الآية 123 ] وهو الدين فهو مأمور باتباع الدين ، فإن أصل الدين بما هو من اللّه لا من غيره ، ولهذا قال عليه السلام : « لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا أن يتبعني » فأضاف إليه ، وأمر هو صلى اللّه عليه وسلم باتباع الدين لا باتباع الأنبياء ، فإن الإمام الأعظم إذا حضر لا يبقى لنائب من نوابه حكم إلا له ، فإذا غاب حكم النواب بمراسمه ، فهو الحاكم غيبا وشهادة ، وما أوردنا هذه الأخبار والتشبيهات إلا تأنيسا لمن لا يعرف هذه المراتب من كشفه ، ولا أطلعه اللّه تعالى عليها من نفسه ، وأما أهل اللّه فهم فيها على ما نحن عليه قد قامت لهم شواهد التحقيق على ذلك من عند ربهم في نفوسهم ، وإن كان يتصور على جميع ما أوردناه احتمالات كثيرة ، فذلك راجع إلى ما تعطيه الألفاظ من القوة في أصل وضعها ، لا ما هو الأمر عليه في نفسه ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .