شرح
أكمل الوجوه ، انقطعت الوصلة بين الإنسان وبين اللّه تعالى ، فإن العبد على قدر ما يخرج به من عبوديته ينقصه تقربه من سيده ، لأنه يزاحمه في مرتبته ، وأقل المزاحمة المزاحمة الإسمية فأبقى علينا اسم الولي ، وهو من أسمائه سبحانه ، وكان هذا الاسم قد نزعه من رسوله وخلع عليه أسماء أخر فسماه بالعبد والرسول ، ولا يليق باللّه أن يسمى بالرسول فهذا الاسم من خصائص العبودية انتهى .
وإذا كانت الأنبياء والرسل في أعلا مقامات العبودية ، وهو يقتضي عدم التصرف مطلقا إلا إذا أمروا ، وأما إذا خيروا ، فيقتضي عدم التصرف ، وإذا أمر وتصرف وكان في المحق وقد علمته وهو فناء العبد في الحق ، فيكون العبد باطن الحق والحق ظاهر العبد ، فلا يكون المتصرف إلا الحق كما قال :وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى[ الأنفال : الآية 17 ] وإذا ظهرت خوارق العادات على يدي من هذه حاله ، فقد يعرفه اللّه تعالى إياه قبل وقوعه ، ويطلعه على سره وحكمته ، وقد لا يكون كذلك كعصى موسى عليه الصلاة والسلام ، فإنه خاف منها حين صارت حية تسعى ، عندما ألقاها ، ولذلك ولّى مدبرا ، وما كان خوفه عند مشاهدة عصي السحرة وحبالهم على صور الحيات لجهله بحقيقة حالهم ، وإنما كان لإشفاقه على من بعث إليهم أن يلتبس عليهم الأمر بحيث لا يفرقون بين انقلاب عصى موسى وانقلاب عصا السحرة فيتخيلون أن ما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام من قبيل ما جاءت به السحرة ، ولما أشفق من ذلك قال له ربه تعالى :لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى[ طه :
الآية 68 ] لأن ما جئت به تمثيل في العماء وهو الخيال المطلق ، وما جاءت به السحرة تمثيل في الخيال المقيد ، والخيال المطلق فوق الخيال المقيد ، لوجوه منها :
أنه علته ، ومنها : أنه أكمل منه لأنه الأمر المحقق ، ومنها : أنه فعل الحق وهو أول الأينيات الإلهية ، والدليل على أن ما جاءت به السحرة من قبيل التمثيل في الخيال المقيد قوله تعالى :سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ[ الأعراف : الآية 116 ] ووصفه الحق سبحانه بالعظيم لأنه يماثل إيجاد الحق للعالم فهو من خواص الألوهية ، ولهذا يكفر الإنسان باعتقاد السحر أنه حق ، لأن الخلق لا يكون إلا للّه ، وإذا أضيف إلى غيره كانت إضافته باطلة ، وقد تكون خوارق العادات التي تصدر عن الأنبياء عليهم السلام من قبيل الخيال المقيد ، ولا دليل لمن حصر ، وقيد تكون من قبيل الخيال المطلق ، وهو الأكثر ، وإذا علمت هذا فاعلم : أن الفعل بالهمة هو أن صاحب الهمة إذا أراد