شرح
وقال رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن الهمة يطلقها القوم بإزاء تجريد القلب للمعنى ، ويطلقونها بإزاء أول صدق المريد ، ويطلقونها بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام فيقولون :
مطلب في الهمم وأقسامها الهمة على ثلاثة مراتب : همة تنبيه ، وهمة إرادة ، وهمة حقيقة ، فاعلم أن همة التنبيه هي تيقظ القلب لما تعطيه حقيقة الإنسان مما يتعلق به المنى ، سواء كان محالا أو ممكنا ، فهي تجرد القلب للمنى . وأما همة الإرادة وهي أول صدق المريد ، فهي همة جمعية لا يقوم لها شيء ، وهذه الهمة توجد كثيرا في قوم يسمون بإفريقيا الغرابية يقتلون بها من يشاؤون ، فإن النفس إذا اجتمعت أثرت في أجرام العالم وأحواله ، ولا يعتاص عليها شيء حتى أرى من علم ذلك ممن ليس عنده كشف ولا قوة إيمان أن الآيات الظاهرة في العالم على أيدي بعض الناس إنما ذلك راجع إلى هذه الهمة ، ولها من القوة بحيث إن لها إذا قامت بالمريد أثرا في الشيوخ الكمل ، فيتصرفون فيهم بها ، وقد يفتح على الشيخ في علم ليس عنده ولا هو مراد به بهمة هذا المريد الذي يرى أن ذلك عند هذا الشيخ ، فيحصل ذلك العلم في الوقت للشيخ بحكم العرض ليوصله إلى هذا الطالب صاحب الهمة ، إذ لا يقبله إلا منه . وأما همة الحقيقة التي هي جمع الهمم بصفاء الإلهام ، فتلك همم الشيوخ الأكابر من أهل اللّه ، الذي جمعوا هممهم على الحق وصيروها همة واحدة لأحدية المتعلق هربا من الكثرة وطلبا لتوحيد الكثرة وللتوحيد ، فإن العارفين أنفوا من الكثرة لا من أحديتها ، في الصفات كانت أو في النسب أو في الأسماء . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .
واعلم أن الإنسان من حيث تحققه بحقيقته التي هي نسخة العالم ، هو كل العالم ، لا بل هو كل الممكنات ، لا بل هو كل الأسماء ، وعلى هذا كل فرد من أفراد العالم بالنسبة إلى النفس الناطقة ، وكما أن النفس الناطقة تتصرف في بدنها وما هو تحت حيطته ، كذلك الإنسان المتحقق بحقيقته الجامعة للكل يتصرف في الكل ، وههنا لطيفة وهو أن هذا المتحقق لا يتصرف في أمر من الأمور الآفاقية إلا من الوجه الذي ذلك الأمر به في الأنفس فافهم ، فإنه سر لطيف وقد أدرك الفعل بالهمة ، أعني الهمة الثانية التي ذكرها الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وهي همة الإرادة جماعة من