شرح
39 ] فثبت المحو وهو المعبر عنه بالنسخ عند الفقهاء ، فهو نسخ إلهي رفعه اللّه تعالى ومحاه بعد ما كان له حكم في الثبوت والوجود ، وهو في الأحكام وفي الأشياء انتهاء المدة فإنه قال :كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى[ لقمان : الآية 29 ] . فهو يثبت إلى وقت معين ثم يزول حكمه لا عينه ، فإنه قال يجري إلى أجل مسمى ، فإذا بلغ الأجل زال جريانه ، وإن بقي عينه فالعادة التي في العموم يمحوها اللّه تعالى عن الخصوص ، فمنهم من يمحوها في ظاهره ومنهم من يمحوها في باطنه ، وتبقى عليه أوصاف العادة وهو الكامل مع كونه صاحب محو ، كما أنه يكون المسخ في القلوب وهو اليوم كثير ، وكان في بني إسرائيل ظاهرا بالصورة فمسخهم اللّه قردة وخنازير ، وجعل ذلك في هذه الأمة في باطنها سترا لها ، ولكن لا تقوم الساعة حتى يظهر في صورها شيء من ذلك مع خسف وقذف ، كذا ورد في الخبر « 1 » عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ومن العادة الركون إلى الأسباب والعلل ، فصاحب المحو يزول عنه الركون إلى الأسباب ، فإن اللّه تعالى لا يعطل حكم الحكمة في الأشياء ، والأسباب حجب إلهية موضوعة لا ترفع ، أعظمها حجاب عينك فعينك سبب وجود المعرفة باللّه إذ لا يصح لها وجود إلا في عينك ، ومن المحال رفعك مع إرادة اللّه بأن يعرف فيمحوك عنك ، فلا تقف مع وجود عينك ، وظهور الحكم منه كما محى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حكم رميه مع وجود الرمي منه ، فقال : « وما رميت » فمحاه « إذ رميت » فأثبت السبب « ولكن اللّه رمى » وما رمى إلا بيد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإزالة العلة في المحو إنما هي في الحكم لا في العين ، فلو زالت العلة والسبب لزال العبد وهو لا يزول ، فمن الحكمة إبقاء الأسباب مع محو العبد من الركون إليها على حكم نفي أثرها في المسببات ، فالأسباب ستور وحجب ، ولا يكون محو أبدا إلا في ما له أثر ، وإلا فليس بمحو ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل .
هامش
( 1 ) يشير إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه أحمد في المسند عن حذيفة بن أسيد : « اطّلع النبي صلى اللّه عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة ، فقال : ما تذكرون ؟ قالوا : نذكر الساعة ، فقال : « إنها لن تقوم حتى ترون عشر آيات ، الدخان ، والدجال ، والدابّة ، وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى ابن مريم ، ويأجوج ومأجوج ، وثلاث خسوف : خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم » . وروى هذا الحديث الإمام مسلم في صحيحه ، كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة ، حديث رقم ( 39 - 2901 ) .