شرح
ونسبتك إلى الحق أعلى ، فالبقاء في النسبة أولى لأنهما حالان مرتبطان ، فلا يبقى في هذا الطريق إلا فان ، ولا يفنى إلا باق ، فالموصوف بالفناء لا يكون إلا في حال البقاء ، والموصوف بالبقاء لا يكون إلا في حال الفناء ، ففي نسبة البقاء شهود حق ، وفي نسبة الفناء شهود خلق ، لأنك لا تقول فنيت عن كذا إلا مع تعقلك بمن فنيت عنه ، ونفس تعقلك هو نفس شهودك إياه ، إذ لا بد من إحضاره في نفسك لتعلق حكم الفناء عنه به ، وكذلك البقاء لا بد من شهود حق أنت باق به ، ولا يكون البقاء في هذا الطريق إلا بالحق ، فلا بد من شهود الحق ، فإنه لا بد من إحضارك إياه في قلبك وتعقلك إياه ، وحينئذ تقول بالحق بقيت ، وهذه النسبة أشرف وأعلى لوجود المنسوب إليه ، فحال البقاء أعلى من حال الفناء وإن تلازما وكانا لشخص في زمان واحد ، فلا خفاء على ذي نظر سليم في الفرق بين النسبتين في الشرف والمنزلة ، وشرح هذا المقام يتضمن شرح باب الفناء ، وذلك أن تنظر في كل نوع من أنواع الفناء إلى السبب الذي أفناك عن كذا فهو الذي أنت باق معه ، هذا جماع هذا الباب إلا أن هنا تحقيقا لا يكون في الفناء ، وذلك أن البقاء نسبة لا تزول ولا تحول ، حكمها ثابت حقا وخلقا ، وهو نعت إلهي ، والفناء نسبة تزول وهو نعت كياني لا مدخل له في حضرة الحق ، وكل نعت ينسب إلى الجنابين فهو أتم وأعلى من النعت المخصوص بالجناب الكوني ، إلا العبودة فإن نسبتها إلى الكون أتم وأعلى من نسبة الربوبية والسيادة إليه ، فإن قلت : فالفناء راجع إلى العبودة ولازم لها ، قلنا : لا يصح أن تكون كالعبودة فإن العبودة نعت ثابت لا يرتفع عن الكون ، والفناء قد يفنيه عن عبودته وعن نفسه فحكمه يخالف حكم العبودة ، وكل أمر يخرج الشيء عن أصله ويحجبه عن حقيقته فليس بذلك الشرف عند الطائفة ، فإنه أعطاك الأمر على خلاف ما هو به فألحقك بالجاهلين ، والبقاء حال العبد الثابت الذي لا يزول ، فإنه من المحال عدم عينه الثابت كما أنه من المحال اتصاف عينه بأنه غير الوجود ، بل الوجود نعته بعد إن لم يكن ، وإنما قلنا هذا لأنه الحق ، ولا يلزم أن تكون الصفة عين الموصوف بل هو محال ، فالخلق باقي العين في ثبوته ، ثابت الوجود في عبودته ، دائم الحكم في ذلك ،إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 )[ مريم : الآية 93 ] .ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ[ النّحل : الآية 96 ] فنحن عنده وهو عندنا ، فألحق النفاد والبقاء بمن ألحقته هذه الآية ، والنفاد فناء والبقاء نعت الوجود من حيث جوهره ،