شرح
يقول به بعض الحكماء الإشراقية ، فإن الشيخ رضي اللّه تعالى عنه صرح في مواضع لا تحصى أن القيامة والحشر وما تحوي عليه أرض المحشر والجنة والنار ما هي من الأمور الخيالية والمعنوية بل من الأمور الحسية الحقيقية كما هي المحسوسات في هذه الدار ، وليس في مشرب التحقيق ما يمنع ذلك ولا يحيله العقل ، وقد أجمع على القول به كمل أهل الكشف ، وبه قال جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم ، وليس لمنكره ما يستند إليه إلا الجهل الصرف واللّه تعالى يعصمنا من ذلك بمنه وكرمه ، وموضع الجنة عند الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بين محدب فلك الثوابت ومقعر الأطلس كما ورد أن أرض الجنة الكرسي وسقفها عرش الرحمن ، وموضع النار عند جوف فلك الثوابت لأن اللّه سبحانه وتعالى يحيل صور السماوات والعناصر وما فيها بعد الفصل بين العباد إلى جهنم وما فيها ، هذا هو مذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، وليس في الشرع ما يمنعه ولا يحيله العقل بل له من الشرع ما يعضده ، ولولا مخافة التطويل لأوردنا كلامه في ذلك مؤيدا بالكتاب والسنة ، ولكن نورد من كلامه ما يتعلق بهذا المحل ويكون له كالشرح حتى تقع به الفائدة ونعرض عمّا سواه . قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن الجنة جنتان جنة حسية وجنة معنوية والعقل يعقلهما معا ، كما أن العالم عالمان عالم معنوي وعالم حسي ، والنفس الناطقة المخاطبة المكلفة لها نعيم بما تحمله من العلوم والمعارف من طريق نظرها ، ونعيم بما تحمله من اللذات والشهوات من طريق قواها الحسية من أكل وشرب وجماع ولباس وروائح وحديث وأمثالها ، كل ذلك تنقله الحواس إلى النفس الناطقة . واعلم أن اللّه خلق هذه الجنة المحسوسة بطالع الأسد ، وخلق الجنة المعنوية التي هي روح هذه الجنة الحسية من الفرح الإلهي من صفة الكمال والابتهاج والسرور ، واعلم أن الجنات ثلاث جنات جنة اختصاص إلهي : وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا حد العمل وحدهم من أول ما يولد ويستهل صارخا إلى انقضاء ستة أعوام ، ويعطي اللّه تعالى من يشاء من عباده من جنات الاختصاص ما شاء . والجنة الثانية : جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة ، وهي الأمكنة التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها . والجنة الثالثة : جنة الأعمال وهي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم ، فمن كان أفضل من غيره في وجوه التفاضل كان له من الجنة أكثر ، وسواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن غير أنه فضله في هذا المقام لهذه الحالة ، فما من عمل من