شرح
الأعمال إلا وله الجنة ويقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضي أحوالهم .
ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : لبلال رضي اللّه تعالى عنه ، يا بلال : بم سبقتني إلى الجنة فما وطئت منها موضعا إلا وسمعت خشخشتك أمامي .
فقال يا رسول اللّه ما أحدثت قط إلا توضأت ، ولا توضأت إلا صليت ركعتين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « بهما » « 1 » . فعلمنا أنها كانت جنة مخصوصة بهذا العمل ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لبلال : بم نلت أن تكون مطرقا بين يدي تحجبني ، من أين هذه المسابقة إلى هذه المرتبة ، فلما ذكر له ذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « بهما فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم إلا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص يناله من دخلها » .
والتفاضل على مراتب فمنها بالسن ولكن في الطاعة والإسلام ، فيفضل الكبير السن على الصغير السن إذا كانا على مرتبة واحدة من العمل بالسن فإنه أقدم منه فيه ، ويفضل أيضا بالزمان فإن العمل في رمضان وفي يوم الجمعة وفي ليلة القدر وفي عشر ذي الحجة وفي عاشوراء أعظم من سائر الأزمان وكل زمان عينه الشارع ، ويتفاضلون أيضا بالمكان فالصلاة بالمسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة ، وكذلك الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى ، وخذ أشباه هذا .
ويتفاضلون بالأعمال فإن الصلاة أفضل من إماطة الأذى ، وقد فضل اللّه تعالى الأعمال بعضها على بعض ، ويتفاضلون أيضا في نفس العمل الواحد كالمتصدق على رحمه فيكون صاحب صلة رحم وصدقة ، والمتصدق على غير رحمه دونه في الأجر ، وكذلك من أهدى هدية لشريف من أهل بيت النبوة أفضل ممن أهدى لغير شريف .
واعلم أن جنة الأعمال مائة درجة لا غير كما أن النار مائة درك ، غير أن كل درجة تنقسم إلى منازل ، وهذه المائة درجة في كل جنة من الثمان الجنان ، وصورتها جنة في جنة ، وأعلاها جنة عدن وهي : قصبة الجنة وفيها الكثيب الذي تقع فيه الرؤية ، وهو أعلى درجة في الجنات تدور عليها سبعة أسوار بين كل سورين جنة ، فالتي تلي جنة عدن من الجنات جنة الفردوس وهي : أوسط الجنات التي دون جنة عدن وأفضلها ، ثم جنة الخلد ، ثم جنة النعيم ، ثم جنة المأوى ، ثم دار السلام ، ثم دار المقام ، وأما الوسيلة فهي أعلا درجة في أعلا جنة وهي : جنة عدن فإنها أعلى
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في صحيحه عن بلال وابن بريدة ، حديث رقم ( 3689 ) .