شرح
وما في جنة الأعمال قصر ولا طاق إلا وغصن من أغصان هذه السدرة داخل فيه ، وفي ذلك الغصن من النبق على قدر ما في العمل الذي هذا الغصن صورته من الحركات ، وما من ورقة في ذلك الغصن إلا وهي من الحسن بقدر ما حضر هذا العبد مع اللّه في ذلك العمل ، وأوراق الغصن بعدد الأنفاس في ذلك العمل ، وشوك هذه السدرة كله لأهل الشقاء وأصولها فيهم ، والشجرة واحدة ولكن تعطي أصولها النقيض مما تعطيه فروعها من كل نوع ، فكل ما وصفنا به الفروع خذ النقيض في الأصول ، وهذا كثير الوقوع في علم النبات كما حكي أن أبا العلاء ابن زهر وكان من أعلم الناس بالطب وأبا بكر بن الصايغ وكان دونه في معرفة الحشائش فركبا يوما فمرا بحشيشه فقال ابن زهر لغلامه : اقطع لنا من هذه الحشيشة فاستنشقها أبو بكر فرعف من حينه ، فما ترك شيئا يمكن أن يقطع به الرعاف إلا وعمله وما نفع حتى كاد يهلك ، وأبو العلاء يبتسم ويقول : يا أبا بكر عجزت قال : نعم فقال أبو العلاء بن زهر لغلامه : استخرج أصول تلك الحشيشة فجاء بها فقال : استنشقها . فاستنشقها أبو بكر فانقطع عنه الدم ، فعلم فضله عليه في علم الحشائش ، وأسعد الناس بهذه السدرة أهل بيت المقدس ، كما أن أسعد الناس بالمهدي أهل الكوفة ، كما أن أسعد الناس برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل الحرم المكي ، كما أن أسعد الناس بالحق أهل القرآن . وإذا أكل أهل السعادة من هذه الشجرة زال الغل من صدورهم ، ومكتوب على ورقها سبوح قدوس ربّ الملائكة والروح ، وإلى هذه الشجرة تنتهي أعمال بني آدم ولهذا سميت سدرة المنتهى .
وللحق فيها تجلّ خاص عظيم يقيد الناظر ويحير الخاطر ، وإلى جسدها منصة تلك المنصة مقعد جبريل عليه السلام ، وفيها من الآيات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر « 1 » ، كما قال عليه الصلاة والسلام إنه لا يستطيع أحد أن ينعتها إنما تنظر إليها فيدركك البهت انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .
هامش
( 1 ) يشير إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه : « يقول اللّه عزّ وجلّ : لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، لا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ذخرا ، بله ما أطلعكم اللّه عليه » . رواه البخاري في صحيحه ، كتاب التفسير ، باب فلا تعلم نفس . . . حديث رقم ( 4779 ) . ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجنة . . . ، حديث رقم ( 4 - 2824 ) .