شرح
ولما كان رحمة كان من عالم السعة والسجن ضيق فلذا جاء لمن حاله هذا سارع إلى الانفراج ، وهذا فرض فالكلام مع التقدير المفروض ما هو مثل الكلام مع الذائق ألا تراه صلى اللّه عليه وسلم ما ذكر ذلك إلا في معرض نسبة الكمال إلي فيما تحملته من الغربة علي فقال ذلك أدبا معي لكوني أكبر منه بالزمان كما قال في إبراهيم : نحن أحق بالشك من إبراهيم ، وكما قال في لوط : يرحم اللّه أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، أتراه أكذبه حاشا للّه فإن الركن الشديد الذي أراده لوط هو القبيلة والركن الشديد الذي ذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو اللّه تعالى ، فهذا تنبيه لك أن لا تجري نفسك فيما لا ذوق لك فيه مجرى من ذاق فلا تقل لو كنت أنا عوض فلان لما قيل له كذا وقال كذا ما كنت أقوله لا واللّه ، بل لو نالك ما ناله لقلت ما قاله فإن الحال الأقوى حاكم على الحال الأضعف ، وقد اجتمع في يوسف وهو رسول اللّه حالان حال السجن وحال كونه مفترى عليه والرسول يطلب أن يقرر في نفس المرسل إليه ما يقبل به دعاءه ربه فيما يدعوه به إليه ، والذي نسب إليه معلوم عند كل أحد أنه لا يقع من مثل من جاء بدعوته إليهم فلا بد أن يطلب البراءة من ذلك عندهم ليؤمنوا بما جاء به من عند ربه ولم يحضر بنفسه ذلك المجلس حتى لا تدخل الشبهة في نفوس الحاضرين بحضوره وكثير بين من يحضر في مثل هذا الموطن وبين من لا يحضر ، فإذا كانت المرأة لم تخن يوسف في غيبته لما برأته وأضافت المراودة لنفسها ليعلم أن يوسف لم يخن العزيز في أهله ، وعلمت أنه أحق بهذا الوصف منها في حقه ، فما برأت نفسها بل قالت إن النفس لأمارة بالسوء فمن فتوة يوسف عليه السلام إقامته في السجن بعد أن دعاه الملك إليه وما علم قدر ذلك إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال عن نفسه : لأجبت الداعي ثناء على يوسف عليه السلام ، فقلت له فالاشتراك في أخبار اللّه تعالى عنك إذ قال :وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها[ يوسف : الآية 24 ] ولم يعين في ماذا يدل في اللسان على اتحاد المعنى ، فقال ولهذا قلت للملك على لسان رسوله أن يسأل من النسوة عن شأن الأمر ، فما ذكرت المرأة إلا أنها راودته عن نفسه وما ذكرت أنه راودها ، فزال ما كان يتوهم من ذلك لما لم يسم اللّه في التعبير عن ذلك أمرا ولا عين في ذلك حالا ، فقلت له : فلا بد من الاشتراك في اللسان ، قال : صدقت فإنها همت بي لتقهرني على ما تريده مني ، وهممت أنا بها لأقهرها في الدفع عن ذلك فالاشتراك وقع في طلب القهر مني ومنها فلهذا قال :وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ[ يوسف : الآية 24 ] يعني