ومن آداب الأخذ والعطاء والقبض والبسط ، وكيف يحفظ القلب ، الذي هو مورد الأحوال من الهلاك المحرق ، وأن الطرق كلها مستديرة ، وما ثم طريق خطي ، وغير ذلك مما تضيق هذه الرسالة عنه .
شرح
اللّه تعالى معرضا عن غيره فلا يتوجه إلى ما يتلقاه ، وذلك سوء أدب من وجه ، أو ينبغي أن يتوجه إلى ما يتلقاه فقط وهو سوء أدب أيضا ، أو يتوجه إليهما والحال أنه لا يمكن التوجه إلى اللّه تعالى حالة التوجه إلى غيره وهذا مقام حيرة ( فاعلم ) أنه ينبغي للمتلقي أن يتوجه إلى ما يلقى إليه من حيث أنه مظهر من مظاهر الحق ، وهو غاية الأدب لأنه ما توجه إلى الحق فقط حتى يفوته ما هو المقصود من الإلقاء ، فإن اللّه تعالى يريد من العبد حالة الإلقاء أن يعلم ما يلقى إليه وما يراد منه ، فيبادر إليه من غير تثبط ولا إلى غيره فيكون من المطرودين ، ولا إليهما بوجه لا يصح .
( ومن ) هنا تعلم ( آداب الأخذ ) من غير اللّه ( والعطاء ) لغيره ما هي وهل ينبغي للمعطي أن يعطي بيد اللّه أو بيد نفسه والأول هو الأولى وهكذا الأخذ ( و ) تعلم آداب ( القبض والبسط ) هل ينبغي أن تتوجه بالقبض إلى الجلال وبالبسط إلى الجمال أو بالعكس وقد مرّ تحقيق ذلك فيما نلقناه من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ( و ) تعلم ( كيف ) ينبغي أن ( يحفظ القلب الذي هو مورد الأحوال من الهلاك المحرق ) الذي يفسد عينه وهو ملاحظة الأغيار وملاحظة الأسباب والعلل وعدم شهود وجه الحق فيها ، هل ينبغي أن يحفظ بالإعراض عنها فقط ؟ أو بالتوجه إلى اللّه فقط أو بهما ، والثاني هو الأولى والأول حرمان ( و ) تعلم ( أن الطرق كلها مستديرة ) سواء كانت حقية أو خلقية ( و ) أنه ( ما ثم طريق خطي ) مستقيم لا ميل فيه ( وغير ذلك مما تضيق هذه الرسالة عنه ) .
اعلم رحمك اللّه تعالى أن الطائفة تقول الطرق إلى اللّه تعالى بعدد أنفاس الخلائق ، وهذا الكلام دقيق في غاية الغموض ، وما رأيت من يتفطن له والذي ظهر لي من بركة التوجه نحو أنفاس الشيخ رضي اللّه تعالى عنه التي تهب من توجه إليها سر الربوبية هو أن إيجاد العالم مستند إلى العالم من حيث القبول وإلى اللّه من حيث التأثير ، فإنه أعني العالم لولا ما هو قابل وممكن ما أثرت فيه القدرة ، لأنها لا تنفذ في الممتنعات وهي التي لا تقبل التأثير ، فالعلة التامة لوجود العالم إنما هي مجموع التأثير والتأثر وهو نفس الإمكان ، والإمكان أمر موهوم لأن الماهيات إما معدومة أو موجودة ولا واسطة وصلاحية العالم لقبول التأثير غير مجعولة فهي قديمة فما كان