شرح
الخيال المنفصل الذي هو العماء نفس الرحمن لأن النفس إذا تكاثف ظهر العماء وهو عين النفس ، وليس النفس بأمر زائد على الشعور الأول ، فإن الحق قبل أن يتعلق علمه بذاته كانت جميع الحقائق الإلهية والكونية مستجنة في ذاته غير متميزة المراتب لا في العلم ولا في العين لكن لها صلاحية التميز فيها ، فكانت لعدم هذا التعين في كرب وضيق وحصر لانعدام أعيانها واستهلاكها في الوحدة الذاتية ، فلما تعلق العلم الذاتي الذي هو عين الذات من جميع الوجوه بالذات تميزت مراتب الحقائق المستجنة في عرصته وزال عنها ما كانت تجده من الكرب والضيق بسبب كمونها واستجنانها في وحدة الذات ، وما تعلق هذا العلم بالذات إلا من حكم الرحمة التي هي عين الوجود الذي وسع كل شيء وهذا العلم هو المعبر عنه بنفس الرحمن الذي يأتي للكمل من قبل اليمن الذي هو عبارة عن الوجود البحت ، فلما تميزت مراتب الحقائق الإلهية والكونية في عرصة العلم الذاتي وكان من جملتها حقيقة العلم كان تعلق هذا العلم الممتاز بالأعيان والمراتب المتميزة في عرصة العلم الذاتي المعبر عنها بالأعيان الثابتة عين وجود الأشياء في الخارج ، وذلك العلم هو العماء الذي انفهقت فيه صور كل ما سوى اللّه تعالى ، فكان كالهيولى لها فالعلم الأول هو نفس الرحمن لأنه نفّس عن الحقائق المستجنة ما كانت تجده من كرب الاستجنان ، فلما تكاثف بامتيازه عن ذات اللطيف سبحانه كان عبارة عن العماء الذي وجد فيه العالم ، وعلى هذا فالعلم الثاني لا يتعلق بما لا نهاية له لأن كل ما هو موجود في الخارج متناه وهو الذي يحدث تعلقه عند حدوث معلومه فيه ، بخلاف العلم الأول فإنه لا يحدث له تعلق أصلا ، ونسبة الكليات والجزئيات إليه على السواء ، وكذا النسبة الزمانية وغيرها إليه على السواء ، فافهم فإنه من لباب المعرفة .
المرتبة الثانية وهي الخيال المقيد هي الخيال المقيد والخيال المتصل ، وهذه المرتبة تكثف اللطيف المقيد مثل العلم فإنه يظهر فيه بصورة اللبن ، وتلطف الكثيف المقيد مثل المحسوسات فإنها تظهر فيها بصورة خيالية ، ومنشأ هذه المرتبة هي القوة التي في البطن الأول من الدماغ ، واعلم أنك إذا أخذت جميع الصور التي تظهر فيها جميع المحسوسات وغير المحسوسات في هذه المرتبة ، ولا حظت أنها جملة من الصور الممتازة عن ما عداها