ممزوجا بماء الأنهار ، أو العيون فلا سبيل إلى شربه .
واشتغل بالذكر حتى يرفع عنك عالم الخيال ، ويتجلى لك عالم المعاني المجردة عن المادة ، واشتغل بالذكر حتى يتجلى لك مذكورك .
شرح
الخمر ممزوجا بماء الأنهار أو العيون ) الذي هو صورة علم الطبيعة ( فلا سبيل إلى شربه ) فإنه يؤدي إلى الزندقة والإلحاد وفساد الاعتقاد ، وكذلك إذا كان ممزوجا بماء الجب الذي هو صورة العلم الفكري ، فإن الأحوال إذا خالطها الفكر كثر الخطأ وقلّت الإصابة ، واشرب ماء العيون والأنهار بلا مزج ، وكذلك إذا مزج بماء المطر واللبن ، ولا تشربه إذا مزج بماء الجب أو العسل ، ولا تشرب ماء الجب إلا إذا مزج بماء المطر أو اللبن ، واعلم أن الماء الخالص من وجه هو صورة العلم العقيم الذي لا ينتج أبدا وهو علم الذات ، فإن كان ممزوجا أو خالصا بعد المزج بماء طرأ عليه من التردد في أطوار الاستحالات فإنه ينتج ، فإن كان ممتزجا أنتج العلم بالصفات وإن كان خالصا بعد المزج أنتج العلم بالإعادة والنشأة الآخرة ، وتميز طبقات ذلك العالم كل طبقة على انفرادها مخلصة من المزج والتداخل ، فلا يظهر الشقي بصورة السعيد وهو قوله تعالى :وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ( 59 ) [ يس : الآية 59 ] وفي الجملة فلا يظهر أحد بصورة غيره كما هو في الدنيا . وإن مزج بماء الأنهار والعيون بعد أن خلص أنتج العلم بتنزل المعاني الروحانية المنشأة من القوالب الجسمانية والملائكة المخلوقة من الأنفاس ، ومن قولي اعلم إلى ههنا بعض من عبارة الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وبعضه عبارتي فلا يشتبه عليك ، وإنما نبّهت على هذا حتى يعلم الناظر في هذا الكتاب أني ما أنقل كلام أحد بوجه يتوهم منه أنه كلامي كما هو دأب بعض الناس ، بل كل كلام أنقله عن أحد أميزه عن كلامي وأنسبه إليه وكلاما لم أتعرض له فهو كلامي للّه الحمد والمنة وإياك يا أخي أن تتقيد بالكشف الخيالي بل أعرض عنه وتوجه إلى اللّه تعالى .
( واشتغل بالذكر حتى يرفع عنك عالم الخيال ويتجلى لك عالم المعاني المجردة عن المادة ) وتصل إلى العالم العقلي بانسلاخك عن هيكلك وصعودك إلى عالم الأرواح ورقيك عن عالم الأجسام والجسمانيات ( واشتغل بالذكر حتى ) ترتقي عن عالم الأرواح المجردات وتنسلخ من تعينك الروحي كما انسلخت من تعينك الجسمي وتصل إلى عالم الصفات ( ويتجلى لك مذكورك ) خلف حجب الصفات .