عما يفعله الخلق في بيوتهم ، إلا أنه يجب عليك التحفظ أن لا تكشف سر أحد عند أحد إذا أطلعك اللّه عليه ، فإن بحت به ، وقلت هذا زان ، وهذا شارب ، وهذا سارق ، وهذا مغتاب ، فاتهم نفسك ، فإن الشيطان قد دخل عليك ، فتحقق باسم الستّار . وإن جاءك ذلك الشخص فانهه ما بينك وبينه على الستر ، وأوصه أن يستحي من اللّه ، ولا يتعدى حدود اللّه ، واله عن ذلك الكشف جهد طاقتك ، واشتغل بالذكر .
شرح
( عما يفعله الخلق في بيوتهم إلا أنه يجب عليك التحفظ أن لا تكشف سر أحد عند أحد إذا أطلعك اللّه عليه ) فإن اللّه تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ومع هذا ستر قبائح عباده في الدنيا وفي الآخرة ، وظهر ذلك في جميع الشرائع ، ومن تأمل في شهود الزنا وعدتهم وشروط شهادتهم علم قطعا أن اللّه تعالى ما أراد بذلك إلا الستر على عبده العاصي ، وذلك لسر يعلمه أهل طريقتنا ( فإن بحت به وقلت هذا زان ، وهذا شارب ) مسكرا ( وهذا سارق ، وهذا مغتاب ، فاتهم نفسك ) بذنب عظيم عند اللّه تعالى ، وهو هتك أستار الخلق التي ندب اللّه تعالى إلى عدم هتكها ، ومدح نفسه بذلك ، ولا تؤول ذلك بأن تقول : إنما أفعل ذلك غيرة على محارم اللّه تعالى ( فإن الشيطان قد دخل عليك ) بهذا التأويل واستخفك به فأطعته فلا تأمن منه فإنه يظهر الباطل بصورة الحق والحق بصورة الباطل ولا يخلص من تلبيسه إلا من له قدم راسخة في العلم الإلهي ، وأكثر أهل الطريق هلكوا من تدليسه وما نجي منهم إلا من رحمه اللّه بأن حققه بعبوديته حتى صار من عباد اللّه الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ، فإذا دخل عليك الشيطان بهذا التأويل ( فتحقق باسم ) اللّه ( الستّار ) وتخلق به واجعله صفة لك ( وإن جاءك ذلك الشخص ) الذي رأيته في كشفك قد تعدى حرمات اللّه تعالى ( فانهه ) عن ذلك بلطف ورحمة ، وتجنب في نصحك له الفظاظة والغلظة فإنها تورث العداوة وتوجب عدم قبوله لقولك ، وليكن ذلك ( ما بينك وبينه على الستر ) فإن النصح في الملأ تقريع ، وقل أن يخلو الناصح في الملأ من العجب والتكبر والنفاسة وهي من أقبح الذنوب فهو كمن قال اللّه تعالى في حقه أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ( وأوصه أن يستحي من اللّه ) فإن اللّه تعالى معه أينما كان وعلى أي حالة كان ( ولا يتعدى حدود اللّه ) فإنه من يتعدى حدود اللّه هلك ( واله عن ذلك الكشف جهد طاقتك ) فإنه بداية الأمر وتوجه إلى اللّه تعالى بالمراقبة ( واشتغل بالذكر ) حتى يرفعه اللّه عنك .