تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
ثم إذا لهيت عنه ، واشتغلت بالذكر ، انتقلت من الكشف الحسي إلى الكشف الخيالي فتنزل عليك المعاني العقلية في الصور الحسية ، وهو تنزل صعب ، فإن علم ما أريد بتلك الصورة ، ولا يعرفها إلا نبي أو من شاء اللّه من الصديقين ، فلا تشتغل به .
شرح
وذلك أن الحس تحجبه الجدران والبعد المفرط والقرب المفرط والأجسام الكثيفة الحائلة بينه وبين من يريد إدراكه ، وهذا القصور عادة ، وقد تنخرق لنبي أو ولي كقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني أراكم من وراء ظهري » « 1 » . وفي الأولياء ابتداء المكاشفات لهم في أول سلوكهم ، وأن المريد أول ما يكشف له عن المحسوسات فيرى رجلا مقبلا أو على حالة ما وبينهما البعد المفرط والأجسام الكثيفة بحيث أن يراه بمكة ، أو يرى الكعبة وهو بأقصى المغرب ، وهذا كثير عند المريدين في أول أحوالهم ذقت ذلك كله والحمد للّه . ( ثم إذا لهيت عنه ) أي عن الكشف الحسي ( واشتغلت بالذكر ) والتوجه ( انتقلت من الكشف الحسي إلى الكشف الخيالي ) . مطلب الكلام على الخيال ومراتبه ولقد توهم من لا خبرة له بطريق أهل اللّه أن أول ما يكشف للمريد عالم الخيال ، ثم بعد ذلك يكشف له عن عالم الحس طرف عالم الخيال وأول ما يعبر السالك على عالم الحس ثم بعد ذلك يدخل إلى عالم الخيال وبعده إلى عالم الأرواح وبعده إلى عالم الصفات ، واعلم أن الخيال عبارة عن مرتبة من مراتب الشعور تلطف الكثيف وتكثف اللطيف ولهذه المرتبة أربع مراتب . المرتبة الأولى وهي الخيال المطلق وهي الخيال المطلق المعبّر عنه بالعماء ، وهذه المرتبة تجعل اللطيف المطلق أعني الواجب سبحانه في مرتبتها كثيفا ، لأنه يظهر فيها بصور الممكنات ، وتجعل الكثيف المطلق أعني الممكن المعدوم لطيفا لأنه لا يظهر فيها بصورة الواجب وليس إلا الوجود ، فالخيال المطلق برزخ بين اللطيف المطلق والكثيف المطلق ، وأصل
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الأذان ، باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف ، حديث رقم ( 718 ) . ورواه أحمد في المسند عن أنس بن مالك حديث رقم ( 12017 ) . ورواه غيرهما .