[ مطلب في بيان الفرق بين كشف عالم الحس والخيال ]
وأما التفرقة بين الكشف الحسّي والخيالي ، فنبينه لك ، وذلك إذا رأيت صورة شخص ، أو فعلا من أفعال الخلق أن تغلق عينيك ، فإن بقي لك الكشف فهو في خيالك ، وإن غاب عنك فإن الإدراك تعلق به في الموضع الذي رأيته فيه .
شرح
مطلب في بيان الفرق بين كشف عالم الحس والخيال ( وأما التفرقة بين الكشف الحسّي والخيالي ) الذي غلط فيه أكثر أهل الكشف الصوري ( فنبينه لك ) لأنه من الواجبات ( وذلك إذا رأيت صورة شخص أو فعلا من أفعال الخلق أن تغلق عينك ، فإن بقي لك الكشف فهو في خيالك ) لأن الكشف الخيالي إنما هو بعين الخيال لا بالعين التي تدرك المحسوسات الحقيقية فلا يغيب ما يكشف بها عند غلق العين الظاهرة ( وإن غاب عنك فإن الإدراك تعلق به في الموضع الذي رأيته فيه ) لأنك ما أدركته إلا بالعين الظاهرة ، وهي لا تدرك الأشياء إلا على ما هي عليه في أمكنتها ، والعجب أن صاحب الكشف الحسي لا تحجبه الجدران السميكة الكثيفة عما خلفها ، وإذا أغمض عينه حجبه جفنها وما ذلك إلا من رحمة اللّه حتى تكون له علامة يفرق بها بين الكشف الحسي والخيالي ، كي لا يلتبس عليه الأمر فيقع في الحيرة في أول سلوكه فيؤديه ذلك إلى عدم الثقة بالطريق . واعلم أن جهال المتصوفة من أهل زماننا لا يقولون بالكشف الحسي ويزعمون أنه ما ثم إلا الكشف الخيالي وهو غلط صريح وما تقدم لك من كلام الشيخ رضي اللّه عنه في التفرقة بين الكشف الحسي والخيالي نص على وجود الكشف الحسي . قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : إن عالم الغيب يدرك بعين البصيرة ، كما أن عالم الشهادة يدرك بعين البصر . وكما أن البصر لا يدرك عالم الشهادة ما لم يرتفع عنه حجاب الظلمة أو ما أشبهه من الموانع ، فإذا ارتفعت الموانع وانبسطت الأنوار على المحسوسات أدرك البصر المبصرات ، فإدراكها مقرون بنور البصر ونور الشمس أو السراج وأشباههما من الأنوار ، وكذلك عين البصيرة له حجاب وهو الريون والشهوات وملاحظات الأغيار إلى مثل هذا من الحجب ، فتحول بينه وبين إدراك الملكوت أعني عالم الغيب ، فإذا عمد الإنسان إلى مرآة قلبه وجلاها بأنواع الرياضات والمجاهدات حتى أزال عنها كل حجاب ، واجتمع نورها مع النور الذي ينبسط على عالم الغيب وهو النور الذي يترائى به أهل الملكوت ، وهو بمنزلة الشمس في المحسوسات ، اجتمع عند ذلك نور البصيرة مع نور التمييز فكشف المغيبات على ما هي عليه ، غير أن بينهما لطيفة معنى