أحدهما : الاحتماء عن الأشياء المضرة ، التي تزيد في نفس المرض .
وثانيهما : التداوي بالأدوية التي تزيل أسباب المرض ، فكما أنه لا يتم أمر التداوي إلا بالاحتماء الصادق ، فكذلك لا يتم تربية نور الباطن إلا مع إزالة أسباب الظلمة ، وأعظم أسباب الظلمة ، وأقواها مخالطة الأغيار ، ومجالسة أخدان السوء ، فإذا ظهر نور الإنابة والإرادة في القلب ، ولم يغير الشكل والهيئة لا يفارقه أخدان السوء الذين ليس لهم اطلاع على تغيير الباطن ، وإذا خالطوه زادت المخالطة في الظلمة ، فيؤدي الأمر إلى اضمحلال نور التوبة والمراجعة إلى ما خرج منه .
ومنها : تقييد ظاهره وتحريضه بها على المعاملات .
حكي أن رويما قدس اللّه روحه ، قال اجتزت ببغداد وقت الهاجرة ببعض السكك وأنا عطشان ، واستسقيت من دار ففتحت صبية بابها ومعها كوز ، فلما رأتني قالت : صوفي يشرب الماء بالنهار ورمت بالكوز إلى الأرض فكسر ، فما أفطرت بعد ذلك قط ، فهذه الإشارة كانت بسبب بركة الخرقة التي عرفته الصبية بها ، ولم يكن رويم رحمه اللّه غيّر يردتدي زي القوم وتصفيتهم حين صادفته الإشارة بلسان الصبية .
ومنها : أن المتشبة تعرض لشيء من أمر القوم ، ويوجب له ذلك القرب منهم ، والقرب منهم مقدمة كل خير .
قال الشيخ شهاب الدين السهروردي : سمعت شيخنا أبا النجيب السهروردي قدس اللّه روحيهما يقول : جاء بعض أبناء الدنيا إلى الشيخ [ ق 97 / ب ] أحمد الغزالي ونحن بأصبهان يريد منه الخرقة ، فقال له الشيخ : اذهب إلى فلان يشير إلي ، حتى يعلمك معني الخرقة ، ثم احضر حتى ألبسك الخرقة ، قال :
فجاء إلي فذكرت له حقوق الخرقة ، وما يجب له من رعاية حقها وآداب من يلبسها ، ومن يؤهل للبسها فاستعظم الرجل حقوق الخرقة وجبن أن يلبسها ، فأخبر الشيخ بما تجدد عند الطالب من قولي فاستحضرني ، وعاتبني على قولي له ذلك ، وقال : بعثته إليك حتى تكلمه بما يزيد رغبته في الخير ، فكلمته بما فترت به عزيمته ، ثم الذي ذكرته كله صحيح ، وهو الذي يجب من حقوق الخرقة ، ولكن إذا ألزمنا المبتدئ بذلك نفر وعجز عن القيام به ، فنحن نلبسه الخرقة حتى يتشبه
روضة الحبور ومعدن السرور في مناقب الجنيد البغدادى وإبي يزيد طيفور — صفحة 206
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٠٦