الخرقة ويتعرفون بركتها ، ويفتخرون بلبسها قديما وحديثا ، وإمامهم في ذلك الشافعي رحمه اللّه وهو ممن يعد عند صالحي العباد في وقته من الأوتاد ، فأكرم بهذه الخرقة إذ كانت علما للصحبة ووسيلة إلى النسبة ، ولذا كان شيخ شيوخ الإسلام في وقته الشيخ شهاب الدين السهروردي يقول : الخرقة عتبة الدخول إلى الصحبة .
وقد يترك الإمام الشافعي بثوب الإمام أحمد بن حنبل بل بما خرج من ثوبه من الماء ، وذلك أن الشافعي رحمه اللّه كتب كتابا إلى أحمد بن حنبل مع الربيع بن سليمان ، قال الربيع : فدخلت بغداد فلقيت أحمد بن حنبل [ ق 96 / أ ] في صلاة الصبح ، فصليت معه الصبح ، فلما انتقل من المحراب سلمت إليه الكتاب ، وقلت :
هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر ، فقال أحمد : نظرت فيه ؟ قلت : لا ، فكسر ، أبو عبد اللّه الختم وقرأ الكتاب فغرقت عيناه بالدموع ، فقلت : أمر فيه أبا عبد اللّه قال : يذكر فيه أنه رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم في النوم ، فقال له : اكتب إلى أبي عبد اللّه أحمد بن حنبل ، واقرأ عليه مني السلام ، وقل له : إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجيبهم ، فسيرفع اللّه لك علما إلى يوم القيامة .
قال الربيع فقلت : البشارة ، فخلع علي إحدى قميصيه الذي يلي جلده ، ودفعه إلي فأخذته ، وخرجت إلى مصر ، وأخذت جواب الكتاب فسلمته إلى الشافعي ، فقال الشافعي : يا ربيع ، أي شيء الذي دفع إليك ؟ فقلت : القميص الذي يلي جلده ، قال الشافعي : ليس نفجعك فيه ، ولكن بله وادفع إلي الماء حتى أشركك فيه ، وفي رواية ادفع إلي الماء لأتبرك به ، رضي اللّه عنهم .
الرابع : اعلم أن الخرق أربع
: خرقة إرادة ، وخرقة صحبة ، وخرقة بركة ، وخرقة رواية ، والمعوّل عليها خرقة القدوة إذ هي الأصل في النسبة ، وهي التي إذا لبسها من شيخ له أهلية لإلباسها لا يجوز له أن يلبس خرقة أخرى من شيخ آخر بنية القدوة ، وأما باقي الخرق [ الثلاثة ] الصحبة والبركة والرواية ، فيجوز أن يلبسها من جماعة عدة .
الخامس : اعلم أن للأب أن يخير ابنه قبل البلوغ على لباس الخرق
كلها من نفسه ومن غيره ، وكذلك لموصى ، إليهم وللعبد أن يلبسها بإذن سيده .