[ يا شيخ لا تغتر بالخيم والجمال والزوامل والأحمال ]
وقال أبو البركات محمد بن علي بن محمد الأنصاري : حكى لي الشيخ أبو النجيب عبد القاهر بن عبد اللّه [ ق 79 / أ ] السهروردي ببغداد ، قال : حججت في بعض السنين ونويت المشي على قدمي طول الطريق والزاد والماء والجمال مع الرفيق رياضة لنفسي وانفرادا عن أبناء جنسي فمكثت على ذلك أياما ، ولقيت وصبا ونصبا وأهوالا عظاما وأوجالا جساما ، حتى كادت روحي تزهق من الجوع والعناء ، ويصدني عن الإلمام بأصحابي الخوف والحياء ، فقطعت أكثر الطريق وأعوزني المظاهر والشقيق إلى أن وصل الحجيج إلى منهل ليس فيه سوى بئر قد نشف ماؤها وهلك الناس بالعطش ومات منهم جماعة فبقيت متحيرا في أمر أصحابي وليس معنا من الماء إلا شيء يسير لا يكفينا وإلى جانب رجل من أهل خراسان ومعه زوامل وحوامل وأصحاب وأتراب ونعمة ظاهرة وصفته فاخرة فأشار بيده وقال لي : كأني بك أيها الشيخ وقد زلت بين يديه قدمك واشتد لهول المنظر ألمك ، ثم أجلسني إلى جانبه وسرد كلاما فائقا ، ومعنى رائقا صغرت واللّه نفسي عند سماعه فمن جملته أن قال : يا شيخ ليس الاعتبار بالحمال والجمّال ، والحوامل ، والأزمال بل صحح بيتك وحسن في معاملته سريرتك ولازم طاعة مولاك فيما أمرك به واسترعاك وعدّ عنك هذا المحال يا مرائي يا بطّال ، ثم أخذ بيدي بعد أن ذهب من الليل أكثره ، فأوقفني على شفر « 1 » البئر ، فرأيت ماؤها قد طفح فشربت من الماء بيدي ثم ملأت القرب وعدت إلى أصحابي متحيرا بما شاهدته ، مفكرا فيما عاينته ثم إني ركبت من ذلك اليوم وتركت المشي لأربابه والجوع لأصحابه ، وفقدت الرجل ، فلم [ أره ] إلا بعرفات وقد نصب سريرا [ ق 79 / ب ] وجلس عليه وضرب خياما وأوقف بين يديه غلمانا وأعوانا فلما نظر إلي تبسم ثم قال : يا شيخ لا تغتر بالخيم والجمال والزوامل والأحمال ، بل إذا أردت القرب منه بالقلب قربك وأدناك ، وبالقلب أبعدك وأقصاك .
[ يا سيدي هذا نذرناه لك ]
ومن كراماته ما حكاه ابن أخيه الشيخ شهاب الدين السهروردي قال :
كنت عنده مرة فأتاه سوادي بعجل وقال له : يا سيدي هذا نذرناه لك ، وانصرف الرجل فجاء العجل حتى وقف على الشيخ ، فقال الشيخ لنا :
هامش
( 1 ) الشفر : بالضم الحرف أو الطرف أو الحافة ، انظر : النهاية لابن الأثير ( 2 / 484 ) .