وكان يقول : في جملة دعائه بالليل : إلهي همك عطل علي الهموم ، وحال بيني وبين الرقاد .
ودخل عليه بعضهم فرأى جرة ماء قد انبسطت الشمس عليها ، فقال له :
ألا تحولها ؟ فقال : حين وضعتها لم تكن الشمس وأنا أستحي أن يراني اللّه أمشي لما فيه حظ نفسي .
ودخل عليه رجل فجعل ينظر إليه ، فقال له : أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول الكلام .
وقال أبو الربيع الواسطي : قلت لداود الطائي : أوصني ؟ فقال : صم عن الدنيا واجعل فطرك الموت ، وفرّ من الناس [ ق 64 / أ ] كفرارك من الأسد .
وقال قبيصة : حدثنا جار لنا أن امرأة من أهل داود صنعت ثريدة بشمس ، ثم بعثت بها إليه ، وقت إفطاره مع جارية لها .
قال : وكان بينه وبينها رضاع ، قالت الجارية : فوضعت القصعة بين يديه ، فقام إليها ليأكل منها ، فجاء سائل فوقف على الباب فدفعها إليه ، وجلس معه على الباب حتى أكلها ، ثم دخل فغسل القصعة ، ثم عمد إلى تمر كان بين يديه ، فوضعه في القصعة ، ودفعه إلي ، وقال : اقرئيها السلام ، قالت الجارية :
وكان ذلك التمر قد أعده لفطوره وما أظنه بات إلا طاويا ، وقال : إنه كان يخبز له في كل شهر ستون رغيفا ، ثم يعلقها بشريط ، يفطر في كل ليلة على رغيف بماء وملح .
قال : فأخذ ليلة فطوره ، وجعل ينظر إليه فقامت مولاة له سوداء ، فجاءته بشيء من التمر على طبق فأفطر عليه ثم أحيا ليلته إلى الصباح وأصبح صائما ؛ فلما كان وقت إفطاره أخذ رغيفا وملحا ، وجعل يعاتب نفسه ، ويقول : لما اشتهيت البارحة تمرا ، أطعمتك فاشتهيت الليلة تمرا ، لا ذاق داود الطائي تمرا ما دام في دار الدنيا ، فما ذاقه حتى مات .
وقال عبد اللّه بن خبيق : أتى الفضيل بن عياض داود الطائي يعوده ، فقال له :
أقلل من زيارتي فقد قليت الناس .
قال : ما أخرج اللّه عبدا من ذل المعصية إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال ، وأعزّه بلا عشيرة ، وأنسه بلا أنيس .
روضة الحبور ومعدن السرور في مناقب الجنيد البغدادى وإبي يزيد طيفور — صفحة 141
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٤١