لنفسي : أراك مرائية منذ ثلاثين سنة وأنا لا أدري ، فتركت ذلك المكان الذي كنت أصلي فيه وجعلت أصلي من أماكن مختلفة ، لئلا يعرف مكاني ، وقضيت صلاة الجمعة ثلاثين سنة .
وقال أيضا : دخلت يوما على السري فرأيته متغيرا فقلت : ما لك ؟ فقال :
دخل علي شاب فسألني عن التوبة ؟ فقلت له : أن لا تنسى ذنبك ، فعارضني ، وقال : لا بل التوبة أن تنسى ذنبك ، فقلت : إن الأمر عندي على ما قاله الشاب ، فقال لم ؟
فقلت : لأني [ ق 56 / أ ] إذا كنت في حال الجفا ثم نقلني إلى حال الوفا ، فذكر الجفا في وقت الوفا خفا .
قال الشيخ أبو العباس المرسي رحمه اللّه كلاما معناه أن كلام السري رحمه اللّه أتم من كلاميهما ، لأن كلام السري يدل على مبادئ المقامات ، وكذلك القدوة يلزم بالكلام على مقامات العباد بداياتها ونهاياتها ، وإنما تأتي النهايات من البدايات ، والجنيد لم يكن في ذلك الوقت بمقام أن يكون قدوة ، كذلك الشاب فتكلما على أحوال أهل الارتقاء في نهاياتهم ، فكلامهما يخص حالهما وكلام السري مهيع مورود للسالكين ، واللّه أعلم .
وقال السري : كنت أطلب رجلا صدّيقا مدة من الزمان ، فمررت ببعض الجبال ، فإذا بجماعة زمنى وعميان ومرضى ، فسألت عن حالهم ؟ فقالوا : هنا رجل صدّيق يخرج في كل سنة مرة واحدة يدعو لهم فيجدون الشفاء ، فصبرت حتى خرج ودعا لهم فوجدوا الشفاء ، فقفوت أثره وتعلقت به وقلت له : بي علة باطنة فما دواؤها ؟ فقال : حلّ يا سري عني فإنه غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه .
وقال الجنيد : دفع إلي السري رقعة وقال : هذه خير لك من سبع مائة قصة ، وإذا فيها :
ولما ادعّيت الحبّ قالت كذّبتني * فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا
فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا * وتذبل حتى لا تجيب المناديا
وتنحل حتى ليس يبقى لك الهوى * سوى مقلة تبكي بها وتناجيا