وسبب زهده :
أنه كان يجول في السوق ويتردد إلى معروف الكرخي .
قال : فجاءه معروف يوما وهو في حانوته ومعه صبي يتيم ، فقال : اكس هذا اليتيم ، قال السري : فكسوته ففرح معروف بذلك ، وقال : بغّض اللّه إليك الدنيا وأراحك مما أنت فيه ، فقمت من الحانوت وليس شيء أبغض إلي من الدنيا ، وكل ما أنا فيه من بركات معروف .
قال الجنيد : ما رأيت أعبد من السري : أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت .
وكان أيضا يقول لنا السري ونحن حوله : أنا لكم عبرة يا معشر الشباب ، اعملوا فإنما العمل في الشبيبة ، وكان إذا جنّ عليه الليل دافع أوله ، ثم دافع ، فإذا غلبه النوم أخذ في النحيب والبكاء .
وقال الجنيد أيضا : سألني السري يوما عن المحبة ؟ فقلت له :
قال قوم هي الموافقة وقال قوم : هي الإيثار ، وقال قوم كذا ، فأخذ السري جلدة ذراعه ومده فلم تمتد ، ثم قال : وعزته لو قلت إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته [ ق 55 / أ ] لصدقت ثم غشي عليه فدار وجهه كأنه قمر مشرق ، وكان السري به أدمة .
وقال الجنيد أيضا : سمعت السري يقول في بعض دعائه :
اللهم ما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب .
وقال السري : أنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة من قولي مرة : الحمد للّه ، قيل :
وكيف ذلك ؟ فقال : وقع الحريق ببغداد فاستقبلني وقال : نجا حانوتك ، فقلت :
الحمد للّه فأنا من ذلك الأوان نادم على قولي حيث أردت لنفسي خيرا دون المسلمين .
وقال الجنيد : دخلت يوما على السري وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك ؟ قال :
جاءتني البارحة الصبية ، فقالت : يا أبت هذه ليلة حارة فأعلق الكوز لعله يبرد فتفطر عليه ، ثم حملتني عيناي ، فنمت فرأيت في المنام جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء ، فقلت : لمن أنت ؟ قالت : لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان ،