اللّه أوص بشيء أحفظه عنك ! فقال : احذر ثم احذر أن تعرف الأشرار ولا تشتغل عن اللّه بمجالسة الأخيار ، وكان ذلك آخر كلامه .
وقال بعضهم : دخلت على السري ، فرأيته يكنس بيته بخرقة ويتمثل بهذين البيتين :
وما رمت الدخول عليه حتى * حللت محلة العبد الذليل
وأغضيت الجفون علي قذاها * وصنت النفس عن قال وقيل
وحكى أبو القاسم الجنيد قال : بت ليلة عند السري رضي اللّه عنه ، فلما كان بعض الليل ، قال لي : يا جنيد أنت نائم ؟ قلت : لا ، فقال : الساعة أوقفني الحق عز وجلّ بين يديه ، وقال لي : يا سري خلقت الخلق كلهم ، فادعّوا محبتي ، فخلقت الدنيا فاشتغل من كل عشرة آلاف تسعة آلاف عني بالدنيا ، وبقي ألف فخلقت الجنة ، فاشتغل بالجنة عني من الألف تسعمائة ، وبقي مائة فسلطت عليهم شيئا من البلاء ، فاشتغل عني من المائة تسعون بالبلاء وبقي عشرة ، فقلت لهم : لا الدنيا أردتم ولا الآخرة رغبتم ولا من البلاء هربتم ، فماذا تريدون ؟ قالوا : إنك لتعلم ما نريد ، فقال : إني أنزل عليكم [ ق 58 / أ ] من البلاء ما لا تطيقون ولا تحمله الجبال الرواسي فتثبتون لذلك ، فقالوا : أليس أنت الفاعل بنا قد رضينا ، بك نحمل وفيك نحمل ما لا تطيقه الجبال ، فقال لهم : أنتم عبيدي حقا رضي اللّه عنهم ونفعنا بهم .
وقال ابن مسروق : سمعت سريا يقول : بينما نحن نسير في بلاد الشام إذ ملنا عن الطريق إلى ناحية جبل عليه عابد فجئنا إليه فوجدناه يبكي ، قال سري : فقلت له : ما أبكى العابد ؟ فقال : وما لي لا أبكي وقد توعرت الطرق ، وقل السالكون فيها ، وهجرت الأعالي ، وقل الراغبون فيها ورفض الحق ودرس هذا الأمر فلا أراه إلا في لسان كل بطال ينطق بالحكمة ويفارق الأعمال ، وقد افترش الرخص وتمهد التأويل واعتل بذلك العاصون ، ثم صاح صيحة ، وقال : كيف سكنت قلوبهم إلى روح الدنيا وانقطعت عن روح ملكوت السماوات ؟ ثم ولى صارخا وهو يقول :
واغمّاه من فتنة العلماء ، واكرباه من حيرة الأدلاء ، وجال جولة ثم قال : أين الأبرار من العباد ، بل أين الأخيار من الزهاد ؟ ثم بكى ، وقال : شغلهم واللّه طول