وقال أيضا : كنت جالسا في مسجد الشونيزية أنتظر جنازة أصلي عليها ، وأهل بغداد على طبقاتهم جلوس ينتظرون الجنازة ، فرأيت فقيرا عليه أثر النسك يسأل الناس فقلت في نفسي : لو عمل هذا عملا يصون به نفسه كان أجمل به ، فلما انصرفت إلى منزلي وكان لي شيء من الورد بالليل من الصلاة والقراءة والبكاء ، فثقلت على جميع أورادي فسهرت وأنا قاعد فغلبتني عيناي ، فرأيت ذلك الفقير وقد جاءوا به ممدودا على خوان ، وقالوا لي : كل لحمه فقد اغتبته فكشف لي عن الحال ، فقلت : ما اغتبته ، وإنما قلت : شيئا في نفسي فقيل لي : ما أنت ممن يرضى منك مثل هذا ، اذهب إليه واستحله فأصبحت ولم أزل أتردد في طلبه حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء أوراقا مما تساقط من غسيل البقل ، فسلمت عليه ، فقال : تعود يا أبا القاسم ؟ فقلت : لا ، قال : غفر اللّه لنا ولك « 1 » .
وقال : كنت في بدء إرادتي أرى في منامي بالليل ما يجري عليّ في يقظتي ونهاري [ ق 47 / ب ] فأتصفح ذلك حالا بعد حال فأكون مرهبا لما قد رأيته ، وكنت أحب أن أرى الأبدال وسألت اللّه تعالى أن يرني الأبدال ، فرأيت ليلة كأني جالس على باب دارنا إذ مر ثلاثة نفر عليهم ثياب خلقان وزي رث دنس وعليهم ظاهر بلوى ، فوقع في قلبي أنهم الأبدال ، فقمت واتبعتهم حتى جاؤوا إلى المسجد فدخلوه ودخلت خلفهم ، فلما رأوني انتفضوا ، فإذا زيهم أحسن زي ، وأبدانهم كأحسن الأبدان ، وخلقهم كأحسن الخلق ، فقلت ما هذا ؟ فقالوا : هذا خلقنا وزينا وحالنا ، فقلت لهم : فما بال الحال الأول ؟ فقالوا لي : ذلك شيء تسترنا به عن الخلق ، ثم قالوا لي : يجزيك ؟ قلت : نعم ، ثم انتفضوا فعادوا إلى صورهم التي كانت أولا فخرجوا من المسجد يمشون حتى جاءوا إلى دكان بقال فيها قصب وحطب ، فتناول أحدهم من القصب قصبة ، فصارت في يده حطبا ، وتناول الأخر من الحطب فصار قصبا ، ثم قال لي : يجزيك ؟ فقلت : أجزاني ، ثم مضوا وانتبهت فلما أصبحت جلست على بابنا أنتظر ما رأيت في ليلتي ، فإذا الثلاثة بأعيانهم دخلوا المسجد فدخلت خلفهم ، فكان منهم مثل ما رأيت ثم خرجوا من المسجد واتبعتهم ، حتى جاءوا إلى دكان بقال ، وكان مثل ما رأيت أيضا ، فلما أرادوا أن يفارقوني قلت لهم : من ببغداد من الأبدال ؟ قالوا : فلان
هامش
( 1 ) ذكره الجامي في نفحات الأنس ( 103 / ق ) .