وقيل لعبد اللّه بن سعيد بن كلاب : أنت تتكلم على كلام كل أحد ، وهاهنا رجل يقال له : الجنيد فانظر هل تعترض عليه أم لا ؟ فحضر حلقته وسأل الجنيد عن التوحيد فأجابه ، وتحير عبد اللّه ، وقال : أعد عليّ ما قلت ، فأعاد ولكن لا بتلك العبارة ، فقال : عبد اللّه : هذا شيء آخر لم أحفظه ، تعيده عليّ مرة أخرى ، فأعاد بعبارة أخرى ، فقال عبد اللّه : ليس يمكنني حفظ ما تقول ، أمله عليّ فقال :
إن كنت أجريه فأنا أمليه ، فقام عبد اللّه مقرا بفضله ، واعترف بعلو شأنه .
وقال الجنيد قدس اللّه روحه : لو علمت أن للّه علما تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا ، لسعيت إليه وقصدته « 2 » .
[ وقيل ] : لما حضرته الوفاة أوصى بدفن جميع ما هو منسوب إليه من علمه فقيل له ولم ذلك ؟ فقال : أحببت أن لا يراني اللّه وقد تركت شيئا منسوبا إليّ وعلم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين ظهرانيهم .
وقال : اشتد البلاء برجل من الصالحين حتى جرّ برجله إلى مزبلة ، فرفع طرفه إلى السماء وقال أنا بعينك وقد ترى فافعل ما شئت وحسبي ما تشاء ثم قال :
إذا المهام شكى شجوة * فقد زال عن سنن المستهام
وابن الكلوم التي في الحشا * وأين تبرّمه للكلام
وقال : أرقت ليلة فقمت إلى وردي فلم أجد ما كنت أجد من الحلاوة وأردت أن أنام فلم أقدر ، فأردت القعود فلم أطلق ، ففتحت الباب [ ق 47 / أ ] وخرجت فإذا رجل ملتف في عباءة مطروح على الطريق ، فلما أحس بي رفع رأسه ، وقال : يا أبا القاسم إليّ الساعة ، فقلت : يا سيدي من غير موعد ؟ فقال :
بلى سألت محرك القلوب أن يحرك قلبك ، فقلت : ما حاجتك ؟ فقال : متى يصير داء النفس دواءها ، فقلت إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها ، فأقبل على نفسه ، وقال : اسمعي قد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات ، فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيد فقد سمعته . وانصرف عني ولم أعرفه ، ولا وقفت عليه .
هامش
( 2 ) انظره في : اللمع ( ص 239 ) ، والرسالة القشيرية ( 2 / 734 ) ، تاريخ بغداد ( 7 / 243 ) ، روض الرياحين ( ص 20 ) ، ونشر المحاسن ( ص 71 ) .