قال : رأيت إبليس يوما في السوق عريانا ، وبيده كسرة خبز يأكل منها ، فقلت له : ويحك تمشي في السوق عريانا ولا تستحي من الناس ؟ فقال لي :
[ ق 45 / ب ] يا أبا القاسم هل بقي على وجه الأرض أحد يستحيا منه ؟ من كان يستحيا منه تحت التراب أكلهم الثرى « 1 » .
وقال أيضا : رأيت إبليس في المنام وهو عريان ، فقلت له : ألا تستحي من الناس ؟ فقال : هؤلاء عندك ناس ؟ لو كانوا من الناس ما تلاعبت بهم كتلاعب الصبيان بالكرة ، ولكن الناس غير هؤلاء فقلت له : ومن هم ؟ فقال : قوم في مسجد الشونيزي قد أضنوا قلبي وأغلوا جسمي كلما هممت بهم أشاروا إلى اللّه عز وجلّ أكاد أحترق ، قال جنيد : فانتبهت ولبست ثيابي وجئت إلى مسجد الشونيزي وعلي لبد ، فلما دخلت المسجد إذا أنا بثلاثة نفر جلوس ورؤسهم في مرقعاتهم ، فلما أحسوا بي قد دخلت المسجد أخرج أحدهم رأسه ، وقال : يا أبا القاسم أنت كلما قيل لك شيء تقبل .
اعلم أن هؤلاء الثلاثة هم أبو حمزة الخراساني ، وأبو الحسين النوري وأبو بكر الزقاق رحمة اللّه عليهم ، نقله الصاحب كمال الدين ابن العديم « 2 » .
وكان الجنيد يوما جالسا متفكرا مهموما ، فقيل له : ما الذي أحزنك يا أبا القاسم ؟ فقال : فقدت أنسي في الخلوة ، وفقدت الإخوان اللذين كنت آنس بهم ، ودون هذا مما يهدّ البدن ثم أنشد :
ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأقوام
وقال الشيخ أبو بكر الكتاني رحمه اللّه : جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم فتكلم الشيوخ فيها ، وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا : هات ما فيها عندك يا عراقي ، فأطرق رأسه ودمعت عيناه ، ثم قال : عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، ناظر إليه [ ق 46 / أ ] بقلبه ، أحرق قلبه أنوار هويته ، وصفا شربه من كأس وده ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه ، فإن تكلم فباللّه ، وإن نطق فمن
هامش
( 1 ) أورده الشعراني في الطبقات الكبرى ( 1 / 85 ) .
( 2 ) ذكره القشيري في الرسالة ( 2 / 721 ) ، والغزالي في الإحياء ( 4 / 509 ) ، وابن الملقن في طبقات الأولياء ( ص 132 ) ، واليافعي في روض الرياحين ( ص 112 ) ، والنبهاني في جامع كرامات الأولياء ( ص 385 ) .