وصار الموت نصب عينه ، فأخرجت حبّ الدنيا وهمّ المعاش من قلبه ، ولم يكن له همّ إلّا الزهد عن الدنيا ، أو صالح العمل للّه طمعا في مرضاته ، فيهذّب صفات نفسه ، ويصلح جهات عمله ، ويتّقى ما يسخط اللّه سبحانه فيما يستقبله . كلّ ذلك طمعا في نعيم مخلّد ، وحذرا من عذاب سرمد .
ولو أجدت التأمّل في حاله ، وما يريده في مجاهدته ، وجدته لا يريد إلّا مشتهى نفسه . فهو يحبّ نفسه لما سمع من الحقّ انّها خلقت للبقاء لا للفناء فيحبّها ، ويحبّ مشتهاها ، ويزهد في الدنيا لما يرى من فنائها وزوالها .
وهؤلاء أيضا طبقة ، وذلك مقامهم في العلم والعمل ؛ يشتركون الطبقة الأولى في العلم ، ويفترقون عنهم في العمل .
وإذا فرضنا واحدا من المحبّين المشتاقين ، وهو رجل أخذته بارقة الحبّ ، وجذبته جذبة الشوق إلى لقاء اللّه سبحانه ؛ فانهدّت أركانه ، واضطربت أحشائه ، وحار قلبه ، وطار عقله ، وانسلّ عن الدنيا وزخارفها ، ولم يقع همّه على العقبى ونعيمها ، ولا دين للمحبّ إلّا المحبوب ، ولا مطلوب له إلّا المطلوب .
إذا سمع اللّه سبحانه يقول لعبادة :
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
[ لقمان : 33 ]
ويقول :
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
[ محمّد : 30 ]
ذمّ الدنيا وزخارفها ، وأعرض عن زخارفها لأنّه سبحانه يذمّها ؛ ولو