فإذا فرضنا واحدا من العامّة وبغيته الدنيا وزخارفها ، يبيت وهو يفكّر في تدبير معاش غده ، كيف يبيع ويشترى ؟ وأين يذهب غدا ؟ ومن يلاقي ؟
ويصبح ، وهمّه تدبير أمر يومه ، وإصلاح شأنه في الدنيا .
إذا سمع داعى اللّه بشيرا ونذيرا يبشّر بمغفرة من اللّه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ، وينذر بنار وقودها الناس والحجارة وسائر ما أعدّ اللّه للظالمين ؛ فلقصور همّته ، واختصاص همّه بما يشبعه ويرويه ، لا يجد مجالا للغور في آيات اللّه وكلماته .
وإنّما يؤمن بإجمال ما سمع ، ويدين من الأعمال الصالحة بما لا يزاحم ما يبتغيه من الدنيا . فالدنيا عنده هو الأصل ، والدين تبع ؛ فلذلك يضادّ فعله قوله ، وعمله علمه .
تراه يقول : إنّ اللّه سميع بصير ، وهو يقترف كلّ منكر ، ويترك كلّ واجب .
وتراه يؤمن بانّ اللّه هو الولىّ ، وإليه المصير ؛ وهو يخضع ويعبد كلّ ولىّ من دون اللّه ، ويهرع إلى كلّ شيطان يدعوه إلى عذاب السعير .
فهذه طبقة ، وذلك مقامهم في العمل والعلم .
إذا فرضنا واحدا من الزاهدين والعابدين ، وهم الناظرون بنظر الاعتبار إلى فناء الدنيا وزخارفها وغرورها ونفادها ، وبقاء ما عند اللّه سبحانه ، المستعدّون للزهد والعبادة ، سمع داعى الحقّ يدعوه إلى الإنسلال من أكاذيب مشتهيات الدنيا ، والإقبال إلى عبادة اللّه ، لتحصيل النجاة من أليم العذاب والفوز بنعمة لا تفنى ، وملك لا يبلى ؛ تمكّنت خشية اللّه في قلبه ،
أنوار الحقيقة وأطوار الطريقة وأسرار الشريعة — صفحة مقدمة 89
مساهمون: السيد حيدر الآملي
صمقدمة ٨٩