إعلم أنّ هذه الأعيان والماهيّات المعدومة في الخارج ، الثابتة في العلم دائما تطلب الوجود الخارجي من الفاعل الحقيقي بلسان الحال والاستعداد ، والفاعل أيضا يقتضي ذاته دائما إفاضة الوجود الخارجي على القوابل الّتي هي الأعيان والماهيات ، لأنّه جواد مطلق ، والجواد المطلق هذا شأنه أعني يكون مفيضا للخيرات دائما وجودا كان أو صفة ، علما كان أو حالا ، قولا كان أو فعلا ، فإذا طلب مثلا عين من تلك الأعيان منه تعالى الّذي هو الفاعل الحقيقي ، الوجود الخارجي بلسان الحال والاستعداد فالحقّ تعالى جلّ ذكره لا بدّ أن يفيض عليه ذلك الوجود الخارجي على حسب ما اقتضى استعداده وقابليّته ، لأنّ الفاعل المطلق لا يتصرّف في القابل مطلقا إلّا على الوجه الّذي هو عليه من القابليّة .
وكذلك الجواد المطلق بالنسبة إلى السائل مطلقا فإنّه لا يجود عليه إلّا على الوجه الّذي ينبغي أي على الوجه الأتمّ الأكمل ، أعني على قدر قابليّته واستعداده من غير إمساك وبخل ، لأنّ البخل ممتنع في حضرته تعالى اللّه عن ذلك .
وعلى هذا التقدير فإذا أفاض عليهم الوجود الخارجي على الوجه المذكور أعني بقدر القابلية والاستعداد من غير زيادة ولا نقصان ، لأنّه لو أفاض عليهم فوق قابليّتهم ما قبلوا ، وكانت إفاضته عليهم عبثا والعبث عليه تعالى محال .
وكذا لو أفاض عليهم دون قابليّتهم فايضا ما قبلوا من عدم قابليّتهم وكانت عبثا ، فلا يكون لموجود من الموجودات عليه اعتراض بوجه من الوجوه بأنّك لم جعلتني كذا وكذا ؟ وما جعلتني كذا وكذا ؟ فإنّه يعلم حقيقة
أنوار الحقيقة وأطوار الطريقة وأسرار الشريعة — صفحة 49
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٤٩