ولقول نبيه صلى اللّه عليه واله :
« جذبة من جذبات الحقّ تعالى توازي عمل الثقلين »
وهذا إجمال في إجمال يريد تفصيلا وبسطا كاملا . وذلك أن تعرف أنّ اللّه تعالى لما أمرني بترك ما سواه ، والتوجّه إليه حقّ التوجّه ، ألهمني بطلب مقام ومنزل أسكن فيه ، وأتوجّه إلى عبادته وطاعته ، بموجب أمره وإشارته ، ( مكان ) لا يكون أعلى منه ولا أشرف في هذا العالم . فتوجّهت إلى مكة - شرفها اللّه تعالى - بعد ترك الوزارة والرياسة والمال والجاه والوالد والوالدة وجميع الأقارب والإخوان والأصحاب .
ولبست خرقة ملقاة خلقا ، لا قيمة لها . وخرجت من بلدي الّذي هو « الآمل » والطبرستان ، من طرف خراسان . وكنت وزيرا للملك الّذي كان بهذا البلد ، كان من أعظم ملوك الفرس ، لأنّه كان من أعظم أولاد كيخسرو - طيب اللّه ثراهما وجعل الجنة مثواهما - وكان عمري ، في هذه الحالة ، ثلاثين سنة .
وقد جرى عليّ إلى حين وصولي إلى مكة ، في هذه الصورة ، أنواع من البليّات وأصناف من المجاهدات ، لا يمكن شرحها إلّا بمجلّدات ومع ذلك ، كان في أكثر الحالات جاريا على لساني قوله - جل ذكره - :
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
وقول العارف المشتاق - مثلي - وهو قوله :
تركت الخلق طرّا في رضاكا * وأيتمت العيال لكي أراكا
فلو قطعتني إربا فإربا * لما حسّ الفؤاد إلى سواكا