( 1025 ) وعلى الجملة ، إذا عرفت حال أرباب العقول من الحكماء وأهل النظر من العلماء ، فلنشرع في المقصود من هذه الأبحاث ، الذي هو تحقيق موضوع العلم الإلهي المنسوب إلى العارفين به ، بين أهل اللّه [ 98 ألف ] وخاصّته . فانّ جميع هذه المباحث ما نشأت الّا من كلام الحكيم والمتكلم في حقهم ( اى أهل اللّه ) وحقّ أمثالهم ، بطريق الطعن والقدح ، بمعنى أنّهم ( أي أهل اللّه ) ليسوا من أهل البراهين والدلائل ، ولا لهم في العلوم موضوع ولا محمول ولا أصل صحيح يرجع اليه . وإذا فرغنا من هذا ، وظهر الحال بالعكس مما تصوّروا فيهم وظنّوا في حقّهم ، وثبت أنهم ( أي القادحين في أهل اللّه ) صاروا مستحقّين للطعن والقدح لا غيرهم ، لقوله تعالى :
لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
ولقول العرب : « يداك أوكتا وفوك تفخ » . فنقول : اعلم أن الشيخ الكامل صدر الدين القونوى ذكر في أول « مفاتح الغيب » في تحقيق موضوع العلوم الإلهية ، فصلا لا يكون أحسن منه عبارة ولطفا ، نكتفي من كلّ ما قالوا في هذا ( الباب ) به ، ونقطع هذا البحث عليه . وهو قوله :
( 1026 ) « وبعد : فانّ العلوم منها امّهات أصلية ، و ( منها ) فروع تفصيلية . وتشترك في أنّ لكل واحد منها موضوعا ومبادئ ومسائل .
فالموضوع ما يبحث فيه عن حقيقته ، وعن الأحوال المنسوبة اليه ، والأمور العارضة له لذاته ، كالوجود في العلم الإلهي - على رأى - وكالمقدار في كونه موضوع علم الهندسة ونحو ذلك . والمبادئ امّا تصورات وامّا تصديقات . أمّا التصورات فهي الحدود ، وتورد لموضوع العلم المبحوث فيه ، أو الصناعة ، وفروعه وتفاصيله وأجزائه أيضا ، ان كان ذا أجزاء ، وأعراضه .
والتصديقات هي المقدمات التي يبنى عليها ذلك العلم ، وهي ، مع الحدود ، تسمّى أوضاعا . فمنها يقينية ، ومنها مسلّمة ايمانا وعلى سبيل حسن الظنّ بالمخبر ، وتقدّم في ذلك العلم ، وتسمّى أصولا موضوعة ، ونحو ذلك