الصحيحة ، ومن لم يحصل ذلك بذلك ( من الحكماء ) ، يبق محروما محجوبا معارضا لغيره ، مخاصما لأهله . والمتكلم يبنى أيضا معارفه ومقاصده على الدلائل العقلية والشواهد النقلية ، لتحصيل العقائد الصحيحة والقواعد اليقينية ، ومن لم يحصل ذلك بذلك ( من المتكلمين ) يبق محجوبا عن المقصود ، ممنوعا من المطلوب ، مجادلا لغيره ، معارضا لأهله . والمتصوّف يبنى معارفه ومطالبه على الكشف والشهود والوجدان والعرفان ، الحاصلة له من اللّه تعالى بالفيض والتجلّى والإلقاء والقذف المعبّر عنها تارة بالوحي ، وتارة بالإلهام ، وتارة بالكشف ، على أنواع طبقاتها وأصناف درجاتها . فيحصل له ( أي للمتصوف ) بذلك مقصوده ، ويصل إلى مطلوبه . فلا يعارض حينئذ أحدا ولا يخالف أحدا ، لانّه يعرف أنّ الكل طالبون له - أي للحق تعالى - وان ضلّوا ، متوجهون اليه وان اختلوا ، و « الطرق إلى اللّه تعالى بعدد أنفاس الخلائق . » ( 1014 ) ومع ذلك استدلالنا على ضلالهم وانحرافهم عن الطريق المستقيم ، وعلى اختلالهم في الدين القويم ، ليس الا بقولهم ، لانّهم بأنفسهم أقروا بجهلهم وأظهروا عجزهم . أمّا الحكماء ، فلأنّ أعلمهم وأعظمهم الذي هو الرئيس بن سينا ، قد أقرّ في أكثر كتبه بجهله وعجزه عن تحقيق شيء من الأشياء ، ممكنا كان أو واجبا ، بسيطا كان أو مركّبا ، كقوله في بعض تصانيفه : « الوقوف على حقائق الأشياء ليس في قدرة البشر . فانّا لسنا نعرف من الأشياء الا خواصّها ولوازمها والاعراض اللازمة لها ، ولا نعرف الفصول المقوّمة لكلّ واحد منها ، الدالّة على حقيقته ، بل نعرف أنّها أشياء لها خواصّ وعوارض ولوازم . فلا نعرف حقيقة الاوّل ولا العقل ولا النفس ولا الفلك ولا النار ولا الهواء ولا الماء ولا الأرض . ولا نعرف حقيقة الاعراض ولا السواد ولا البياض . » وكقوله بعبارة أخرى : « نحن لا نعرف حقيقة الاوّل - تعالى وتقدّس - انّما نعرف منه أنّه يجب له الوجود أو ما يجب
المقدمات من كتاب نص النصوص — صفحة 480
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٤٨٠