( 1004 ) وقال الآخر من المشايخ ما يعضد القول المتقدم : « المعرفة اخصّ من العلم ، لانّها تطلق على معنيين ، كلّ منهما نوع من العلم .
أحدهما [ 95 ب ] العلم بأمر باطن يستدلّ عليه بأمر ظاهر ، كما إذا توسمت شخصا ، فعلمت باطن امره بعلامة ظاهرة منه . ومن ذلك ما خوطب به رسول الثقلين - صم - في قوله تعالى :
فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ .
وثانيهما العلم بمشهور سبق به عهد ، كما إذا رأيت شخصا رأيته قبل ذلك بمدة ، فعلمت انّه ذاك المعهود ، فقلت : عرفته بعد كذا سنة عهدته . فالمعروف على الوجه الاوّل ، غائب ، والمعروف على الوجه الثاني ، شاهد . وهل التفاوت البعيد بين عارف وعارف ، الا لبعد التفاوت بين المعرفتين ؟ فمن العارفين من ليس له طريق إلى معرفة اللّه تعالى الا الاستدلال بفعله على صفته ، وبصفته على اسمه ، وباسمه على ذاته :
« أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ . »
ومنهم من تحمله العناية الأزلية ، فتطير به إلى حريم الشهود ، فيشهد المعروف - تعالى جدّه - بعد المشاهدة السابقة ، في معهد
« أَ لَسْتُ ؟ »
ويعرف به ذاته وأسماءه وصفاته ، عكس ما يعرفه العارف الاوّل . وبين العارفين بون بعيد ، إذ الاوّل ، لغيبة معروفه ، هو كنائم يرى خيالا غير مطابق للواقع ، والثاني ، لشهود معروفه ، هو كمتيقظ يرى مشهودا حقيقيا مطابقا له . وإلى ذلك أشار ابن الفارض في قصيدته :
وبي ذكر أسمائي تيقظ رؤية * وذكرى بها رؤيا بوسن وهجعة
كذاك بفعلي عارفي بي جاهل * وعارفه بي عارف بالحقيقة
( 1005 ) « والحق - سبحانه - وحداني الذات والصفات والأسماء والأفعال ، بمعنى انّ كل شيء نسب اليه ( من ) ذات أو صفة أو اسم أو فعل ، فنسبتها ( اى الأشياء كلّها ) اليه مجازية ، لانّها ( اى الأشياء ) في الحقيقة ( هي ) عكوس أنوار تجلّيات الذات الأحدية والصفات الأزلية والأسماء الإلهية في مظاهر الكون ، وليس لمظاهرها شيء منها حقيقة ، كالمرآة من