العلم إلى الموجود ، كذلك تصحّ اضافته إلى المعدوم ، فانّا نعلم طلوع الشمس غدا ، وهو معدوم الآن . ومن هذا قالوا : كل شيء يعرّف بالعلم . فإذا عرّفنا العلم بالعلم ، يلزم الدور ، وان عرّفنا العلم بعلم آخر ، يلزم التسلسل ، وان عرّفناه بغيره ، فليس غير العلم الا الجهل ، ولا يمكن تعريف العلم بالجهل أصلا . فلم يبق الا ان تعدّه من الوجدانيات والكشفيات ، كما هو رأى أهل اللّه . » ( 1003 ) وإذا عرفت هذا ، فنقول بعبارتهم ما قالوا فيه . واوّل ذلك هو قول الإمام محمّد الغزالي في رسالته « العلم اللدني » وتعريفه فيها ، وهو قوله : « العلم هو تصوّر النفس الناطقة حقائق الأشياء وصورها المجرّدة عن الموادّ بأعيانها وكيفياتها وكمياتها وجواهرها وذواتها ، ان كانت مفردة وان كانت مركّبة . والعالم هو المحيط المدرك المتصور . والمعلوم هو ذات الشيء الذي ينتقش علمه في النفس . وشرف العلم يكون على قدر شرف معلومه . ورتبة العالم تكون بحسب رتبة العلم . ولا شكّ انّ أفضل المعلومات وأعلاها وأشرفها واجلّها هو اللّه تعالى الصانع المبدع الحق الواحد . فعلمه - وهو علم التوحيد - ( يكون ) أفضل العلوم واجلّها وأكملها . وهذا العلم ( هو ) ضروري لكل أحد ، واجب تحصيله على جميع العقلاء ، كما أمر به صاحب الشرع - صم : « طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة » كما أمر بالسفر في طلب هذا العلم فقال : « اطلبوا العلم ولو بالصين . » وعالم هذا العلم هو أفضل العلماء . وبهذا السبب خصّهم اللّه تعالى بالذكر في أجلّ المراتب ، فقال عزّ من قائل :
« شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ . »
فعلماء علم التوحيد بالإطلاق هم الأنبياء وبعدهم الأولياء وبعدهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، لقوله - صم : « العلماء ورثة الأنبياء . » وسيجيء بحث الورثة وبحث العلوم الارثية الحاصلة بغير الكسب ، والفرق بينها وبين العلوم الكسبية الرسمية .