( 980 ) وعلى جميع التقادير ، لا يمكن مشاهدته على ما ينبغي الا فيهما ( اى في عالمي الآفاق والأنفس ) وبهما وبما في ضمنهما ، لقوله تعالى
« سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ، أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ . »
وهذه الإشارات شاهدة على صدق ما قلناه في هذا المعنى جميعا ، لانّه في مشاهدتهما ( اى في مشاهدة عالمي الآفاق والأنفس ) أشار تعالى إلى مشاهدته ، وفي لقائهما ( أشار ) إلى لقائه ، وفي الإحاطة بهما حقيقة ( أشار ) إلى الإحاطة به معرفة ، فانّ المحيط لا يمكن مشاهدته الا في ضمن محاطاته ، فانّ المحيط لا ينفكّ عن المحاط ، والمحاط لا يشاهد محيطه الا معه وبه ، لقوله - عم : « مع كل شيء ، لا بمقارنة ، وغير كل شيء ، لا بمزايلة . » ولقوله - عزّ وجلّ :
« وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ »
ولقوله تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
ولقوله تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
ولقوله تعالى :
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
ولقوله :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
ولقول النبي - صم : « لو دليتم بحبل لهبط على اللّه » ولقول علىّ - عم مما سبق : « وانّه بكلّ مكان ، ومع كل انس وجان ، وفي كل حين وأوان لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن . ولم ينأ عنها فيقال : هو منها بائن . » ( 981 ) وإلى هذه المشاهدة أشار العارف وقال :
تجلّى لي المحبوب من كل وجهة * فشاهدته في كل معنى وصورة
فقال : كذاك الامر لكنما إذا * تعيّنت الأشياء بي كنت نسختي
وقد سبق ( ذكر ) هذه الأبيات مرّة بل مرارا ، بغير تصوّر تكرار من غير شعور . وقد يعرف تحقيق ذلك في صورة البحر والأمواج الغير المتناهية ، وكثرته ووحدته ومعيته مع الأمواج وغيريته عنها . فانّ صورة