فبطن ، وبطن فظهر » إلى آخره . وقال غيره : « سبحان من ليس ظهوره الا عين بطونه ، ولا بطونه الا عين ظهوره ، كما أنّ اوّليته ليس الا عين آخريته ، وآخريته ليس الا عين أوليته . » وهذا خفى على أكثر الناس ، بل على أكثر العارفين . وفي هذا المعنى قال الكامل المحقق والمحقق المتمكن نظما :
ظهرت فلا تخفى على أحد * الا على أكمه لا يعرف القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا * فكيف يعرف من بالعرف مستترا ؟
وقال ابن الفارض في قصيدته ( التائية الكبرى ) :
وما ذاك الا أن بدت بمظاهر * فظنوا سواها وهي فيهم تجلّت
بدت باحتجاب واختفت بمظاهر * على صبغ التكوين في كل برزة
فكل مليح حسنه من جمالها * معار له بل حسن كل مليحة
وهاهنا أبحاث وأسرار سيجيء أكثرها في متن الكتاب وشرحه ، مع أن أعظمها قد سبقت ( الإشارة اليه ) . فنرجع إلى ما كنّا بصدره ونقول :
( 962 ) اعلم أنّ مثال الحق أو الوجود ، في هذه الصورة ، مثال شجرة كاملة في ظهورها مثلا ، لقوله تعالى :
يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ . »
فكما أنّ الشجرة بأغصانها وأوراقها وأثمارها وأزهارها ، وما يتعلّق بها من الكمالات الشجرية ، هي هي لا غيرها ، مع أنّها بأجمعها كانت في النواة كالكمالات ، الإلهية في الذات ، فكما أنّ الكمالات ليست هي الذات ولا الذات هي الكمالات ، مع أنّ كل واحدة منهما هي عين الأخرى ، فكذلك الشجرة فانّها ليست هي النواة ولا النواة هي الشجرة ، مع أنّ كل واحدة منهما عين الأخرى . فقس على هذا الحق تعالى والوجود ، فانّ العالم وما فيه من العوالم المعبّر عنها بالمظاهر ، هي كالأغصان والأوراق والأزهار والأثمار بالنسبة إلى الحق والوجود المطلق ، مع أن هذه المظاهر ليست هي الحق ولا الوجود ، كالنواة بالنسبة إلى الشجرة ، ومن