سئل عن مكان ربّه قبل ان يخلق الخلق ، فقال : « كان في عماء ، ما فوقه هواء وما تحته هواء . » ف « العماء » في اللغة ، ( هو ) الغيم الرقيق الحائل بين السماء ( والأرض ) ، وعند العارف ( العماء هو ) الحضرة الواحدية الحائلة بين الحضرة الأحدية الذاتية وبين الحضرة الخلقية الربوبية ، لانّ الحضرات ليست غير هذه الثلاث . وعند البعض ، ( العماء ) هو الحضرة الأحدية ، فانّ السائل سأل عن مكانه تعالى قبل الخلق ، والحضرة الواحدية اوّل الخلق ، فلا يوافق جواب السائل . فالحضرة الأحدية تكون أولى لانّها الموسومة ب « الكنز المخفىّ » المعبر عنه بالذات الصرف والوجود البحت .
( 946 ) وإلى هذا الخلاف أشار بعض المشايخ وقال اعتراضا على من قال بالحضرة الواحدية ، وهو قوله : « العماء هو الحضرة الأحدية عندنا ، لانّه لا يعرفه أحد غيره ، وهو في حجاب الجلال وقبل الحضرة الواحدية التي هي منشأ الأسماء والصفات ، لانّ العماء هو الغيم الرقيق . والغيم هو الحائل بين السماء والأرض . وهذه الحضرة هي الحائلة بين سماء الأحدية وبين ارض الكثرة الخلقية . ولا يساعده الحديث النبوي ، لانّه سئل - صم :
أين كان ربّنا قبل ان يخلق الخلق ؟ فقال : كان في عماء . وفي هذه [ 88 ب ] الحضرة يتعيّن الحق بالتعيّن الأول ، لانّها محلّ الكثرة وظهور الحقائق والنسب الاسمائية . وكلّ ما يتعيّن هو مخلوق . فهو العقل الأول . قال - صم : اوّل ما خلق اللّه العقل . فاذن لم يكن ( تعالى ) فيه قبل ان يخلق الخلق بل بعده . والدليل على ذلك انّ القائل بهذا القول يسمّى هذه الحضرة بحضرة الإمكان ، وحضرة الجمع بين احكام الوجوب والإمكان والحقيقة الانسانية . وكلّ ذلك من قبيل المخلوقات . و ( القائل بهذا القول ) يعترف بأنّ الحق في هذه الحضرة متجل بصفات الخلق . وكلّ ذلك يقتضي ان يكون ( العماء ) ليس قبل ان يخلق الخلق . اللهم ، الا ان يكون مراد السائل ب « الخلق » العالم الجسماني ، فيكون « العماء » الحضرة الواحدية
المقدمات من كتاب نص النصوص — صفحة 439
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٤٣٩