وأنّهما داخلان تحت المطلق ، بل هما اعتباران من اعتباراته ، ومرتبتان من مراتبه في مدارج تنزّلاته ومنازل تنوعاته ، كالكلّىّ العامّ بالنسبة إلى جزئياته وخصوصياته ، لانّه من حيث هو هو ، غير هذا الاعتبارات والأنواع ، كما سبق ذكره .
( 907 ) والذي قلنا أيضا : انّه ( أي الوجود المطلق ) خارجي ، كان في الحقيقة رفعا لتوهم الوجود الذهني ، وتفهيما للسامع وتنبيها له .
والا فالوجود المطلق منزه عن جميع ذلك . وليس اطلاق لفظ « المطلق » عليه الا لذلك ، كما أشرنا اليه ، أعنى لتقديسه وتنزيهه عن القيد ، حتى عن الإطلاق واللاإطلاق ، فانّهما قيدان أيضا . وكيف يقول العاقل مثل هذا الكلام ؟ وهو يعرف أنّ الوجود المطلق سابق على الأذهان كلّها ، بل ليس للأذهان وجود الا به ، فضلا عن أن يكون لها ثبوت الا فيه - جلّ شأنه عن أمثال ذلك ! ( 908 ) والذي قالوا في تعريف الوجود ، يقوم برفع هذه الشبهة من غير مانع ، وهو قولهم : « الوجود هو ما يتحقق به الشيء في الخارج . » ومعلوم انّ الوجود الذهني ، على اى وجه كان ، ليس له صلاحية ان يتحقق به الشيء في الخارج ، بل هو نفسه محتاج إلى شيء يوجده في الخارج .
وفساد هذا النظر لا يخفى على أحد من العقلاء ، لقول أمير المؤمنين - عم :
« يشهد بذلك العقل إذا سلم من أسر الهوى وخلص من علائق الدنيا . »
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ . »
( 909 ) ومع ذلك كلّه ، ذكر فخر الدين الرازي في « الملخّص » انّ الوجود الذهني بعينه هو الوجود الخارجي ، وهذا قوله : « لو ثبت انّ الذهن من الموجودات العينية الخارجية ، فكل ما يوجد فيه فهو ، من حيث انّه موجود ، معيّن حاصل في نفس معيّنة . وعلى هذا لم ينقسم الوجود إلى ذهني وخارجي ، بل كلّ وجود هو وجود عيني خارجي ، الا انّ الماهيات ،