وقد تقرر أيضا انّه ، عند معرفة الذات أو الوجود ، لا اعتبار للاسم والصفة والفعل . وليس في الخارج الا الذات البحت أو الوجود المحض . فلا يكون معلوما الا الذات أو الوجود حقيقة . وهذا هو المطلوب ، وهذا دقيق لطيف .
فافهم ! فانّ هذا جواب مسكت للكلّ ، اعني إذا لم يكن موجودا في الوجود الا هو ، لا يكون معلوما الا هو . وإذا لم يكن معلوما الا هو ، لا يكون معلوما الا حقيقته وذاته حقيقة ، لانّه ليس هناك الا ذات وحقيقة معبّر عنهما بالوجود . واليه الإشارة من لسان القوم ، كما سبق مرّة ومرارا :
هذا الوجود وان تعدّد ظاهرا * - وحياتكم ! - ما فيه الا أنتم
أنتم حقيقة كل موجود بدا * ووجود هذي الكائنات توهّم
( 898 ) ومن لسان النبي - صم : « الدنيا قائمة بالوهم » لانّه ما أراد به الا هذا ، لانّ المراد ب « الدنيا » امّا ظاهر العالم وباطنه الذي هو الحقيقة مطلقا ، أو ما سوى اللّه تعالى مطلقا . وما سوى اللّه تعالى ليس الا الوهميات الغير القائمة الا بالوهم . فكل ما يعلم منها لا يكون الا حقيقتها ، وحقيقتها ليس الا الحق تعالى ، كما قررناه مرارا . فلا يعلم الا حقيقته ، وهذا هو المطلوب . ويعضد هذا قوله أيضا : « لو دليتم بحبل لهبط على اللّه . » فافهم ! ويدلّ على هذا ما قال أمير المؤمنين - عم - حين سئل عن الحقيقة : « محو الموهوم مع صحو المعلوم . » ومعناه معلوم بما سبق . وذلك لانّ معرفته تعالى ان لم تكن على سبيل الحقيقة ، لا تكون تامّة ، وان لم تكن تامّة ، لا تكون معرفة بالحقيقة . والمراد المعرفة الحقيقية ، كما قال تعالى :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
وقال :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
فتجب معرفته حق معرفته .
( 899 ) والدليل على ذلك قول الأنبياء والأولياء والعارفين ، من أمتهم وتابعيهم ، كقول نبينا - صم - الذي هو أعظم الأنبياء والرسل وأكملهم ، وهو قوله : « منذ رأيت ربّى ما شككت فيه . » وقوله : « رأيت ربّى