العبودية لا لادراك حق الربوبية . » وهذا دليل على انّ العقل ليس له قوة ادراك حقّ الربوبية ، ولا استعداد الاطلاع على حقائق الألوهية . وورد عن أمير المؤمنين - عم - انّه قال : « الحمد للَّه الذي اظهر من آثار سلطانه وجلال كبريائه ما حيّر العقول من عجائب قدرته ، وردع خطرات النفوس عن عرفان كنه صفته . » وقال : « سبحان من لا يصل اليه الا به وبنوره . » وهذا أيضا دليل عليه . وأمثال ذلك في كلامه كثيرة .
( 894 ) و « عرفت ربّى بربّى » هذا معناه ، لانّه ما قال : « عرفت ربّى بعقلي ولا بفكري . » و « رأيت ربّى بربّى » كذلك ، لانّ العقل معزول عن هذا المقام وعن هذه المشاهدة . واليه أشار أهل اللّه بأسرهم في قولهم : « سبحان من لا يعرفه الا هو . » و « سبحان من لا يعرفه أحد الا به . » وقد أشار الشيخ ( ابن العربي ) في « الفص الآدمي » بقوله :
« وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكرى ، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون الا عن كشف الهى ، منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لارواحه . » وكذلك كثير من العلماء أشاروا اليه واقرّوا بالعجز فيه عن طريق العقل والدليل العقلي ، كالفخر الرازي منهم بقوله :
نهاية اقدام العقول عقال * وأكثر سعى العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى ان جمعنا فيه : قيل وقالوا
( 895 ) وذلك لانّ الإنسان له مرتبة الذات والحقيقة ، ومرتبة العقل والتعقل ، ومرتبة الحسّ والتحسس . فادراك الحق تعالى له ذاتي ، اعني ( انّ الإنسان ) بالذات والحقيقة يدركه تعالى ويشاهده من دون قوة أخرى ، كما كان يشاهده قبل وصوله إلى عالم العقل والحسّ ، لقوله تعالى :
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ »
وادراك المعقولات بالعقل هو قوة من قواه . وادراك الحسّ بالمحسوسات هو أيضا قوة من قواه . فكما انّ الحسّ عاجز عن ادراك العقل والمعقولات ، فكذلك العقل ، فانّه عاجز عن ادراك العشق والعشقيات