بل توجّهوا إلى جناب الحق تعالى حقّ التوجّه ، وسلكوا سبيله حقّ السلوك ، حتى أعطاهم ما أعطاهم بالكشف والشهود ، وعلّمهم ما علّمهم بالذوق والوجود . وعرفوه بذلك على ما عرفوه ، وشاهدوه به على ما شاهدوه .
ونحن الآن ، بعناية اللّه وحسن توفيقه ، في معرض كشف القناع عن وجه محبوبهم ، وفي صدد اظهار ما كشف لهم في طريق مطلوبهم . ونرجو منه ان يوفقنا في ذلك ، ويظهر الحق على أيدينا وألسنتنا ، لانّه ولىّ الإعانة والتوفيق .
( 892 ) وان قلت : كيف يمكن هذا ؟ وأكثر العقلاء ذهبوا إلى انّ الحكم على الشيء موقوف على تصور طرفيه ، والحقائق الإلهية غير متصورة ، لانّ طرفيها غير منضبطين ، ولا يمكن الحكم عليها ، لانّ طلب الممتنع ممتنع ، وطلب المستحيل مستحيل . ومعلوم انّ الوجود من أعظم الحقائق الإلهية وأشرفها ، لانّ المراد به - كما سبق - الذات الإلهية والحقيقة الربانية ، وهي غير معلومة باتفاق أكثر العقلاء فلذلك لا يمكن الحكم عليه وعلى حقيقته . ومع ذلك ، ورد عن النبي - صم - انّه قال : « تفكروا في آلاء اللّه ولا تفكروا في ذات اللّه . » ونزل عن اللّه تعالى في كتابه :
« وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ » *
ومعناه هذا . وقال أيضا :
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » *
معناه اى ما عرفوه حق معرفته . وكل هذا يدلّ على انّ معرفة وجوده وذاته غير ممكنة ، وأنت تقول بمعرفته ، وتحكم أيضا على معرفة الأنبياء والأولياء وتابعيهم من أهل اللّه ، به .
( 893 ) قلنا : هذه السؤالات والاعتراضات كلّها موجّهة ، لكن يكفى فيها جواب واحد ، وهو انّ منع معرفته ومعرفة ذاته ووجوده كان من طريق العقل وقاعدة العقلاء . فان العقل ، بطريق النظر الفكري ، لا يصل اليه قط ، ولا وصل أصلا . والا ، من طريق الكشف والذوق ، فلا ( منع ) كما ورد عن النبي - صم - انّه قال : « خلق اللّه تعالى العقل لأداء حق