ومن سكت عنه فهو جاهل . وكل ما ميّزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم ، في أتمّ معانيكم وأكمل فحاويكم ، فهو مصروف إليكم ، مردود عليكم ، محدث ، مصنوع ، مثلكم . » ويؤكد ذلك ما أشار اليه الشيخ الكامل أبو إسماعيل عبد اللّه الأنصاري الهروي في « منازل السائرين » وهو قوله :
ما وحّد الواحد من واحد * إذ كل من وحّده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحد
توحيده ايّاه توحيده * ونعت من ينعته لاحد
( 767 ) وكذلك ما أشار اليه مولانا وسيدنا أمير المؤمنين علىّ - عم - في قوله : « أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه ، لشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، وشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف . فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار اليه ، ومن أشار اليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه . ومن قال : فيم ؟ فقد ضمّنه .
ومن قال : علام ؟ فقد اخلى منه . كائن ، لا عن حدث . موجود ، لا عن عدم .
مع كل شيء ، لا بمقارنة . وغير كل شيء ، لا بمزايلة . » وأمثال ذلك كثيره في كلامهم .
( 768 ) وليس مرادهم من هذا الامتناع من حصوله ، ولا اليأس من الوصول اليه ، بل المراد منه اعلاء اعلام مرتبته ، وارتفاع أركان درجته ، لئلا يطمع في تحصيله كل أحد ، ويتمنى وصوله كل ذي هوى ، لانّ تحصيله ليس مقدورا لكل قادر ، ولا وصوله محصول لكلّ طالب . « جلّ جنابه عن أن يكون شارعا لكلّ وارد ، ولا حضرته عن أن تكون واردا لكل شارع . » ومع ذلك ، فكل واحد من العارفين شرع فيه بعبارة وقام فيه بإشارة ، نشير إلى بعض ذلك بعبارتهم واشارتهم ، ثم نشرع في المقصود .