العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى احبّه . فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله . فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي ينطق ، وبي يبطش ، وبي يمشى » . ونعم العبد الذي يكون الحق تعالى سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله ! ويكون من مقام ( من ) لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يبطش ولا يمشى الا به - جعلنا اللّه تعالى منهم ! - ومن هذا تصعب معرفتهم ، ولا يحيط بهم أحد على ما ينبغي . وذلك لانّ معرفتهم مخصوصة باللّه لا غير ، بحكم الحديث القدسي والدليل العقلي . وحيث انّ معرفتهم كذلك - اعني في غاية الصعوبة والشدة - فوجب الشروع في أوصافهم وأسمائهم ، بحكم النقل والعقل والكشف بقدر هذا المقام ، ليتحقق صدق ما قلناه ، ويحصل قصر معارفهم بالوجوه الثلاثة .
( 588 ) فمن النقليات ما ورد عن النبي - صم - برواية أبى جبير انّه قال : سمعت عن رسول اللّه - صم - أنه قال : « انّ من عباد اللّه ما هم ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من اللّه تعالى . قالوا : يا رسول اللّه ! خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلّنا نحبهم ؟
قال : هم ( قوم ) تحابوا في اللّه على غير أرحام بينهم ولا أحوال يتعاطونها .
فو اللّه ! انّ وجوههم لنور وانّهم على منابر من نور . لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس . ثم قرأ الآية :
« أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . »
وذلك لانّ الخوف والحزن هما من ثمرة البعد والجهل ، وهؤلاء في غاية القرب والعلم ، فكيف يكون لهم حزن أو خوف ؟ وبناء على هذا ، كلّ ما ورد في القرآن من الحزن والخوف بالنسبة إلى الأنبياء والرسل ، يكون بمعنى الخشية المخصوصة باهل اللّه وخاصّته من العلماء الكرام ، كقوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
.
( 589 ) وثمّة فرق دقيق بين الخوف والخشية والحزن والقبض والرغبة والرهبة . والذي قال تعالى :
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً
ذلك إشارة إلى