كان صاحب سرّه ، وعيبة علمه ، والوارث لحقائقه ودقائقه ، والمطلع على غوامضه ومعضلاته ، كما قال : « واللّه ! ما نزلت آية في ليل أو نهار أو بر أو بحر أو سهل أو جبل ، الا وقد علمت أنا في أيّ وقت نزلت ، وفي أيّ شيء نزلت ، وفيمن نزلت ، وسألت عنها ، وتحققت معناها ، وعرفت فحواها » . وقال : « واللّه ! لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها ، لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الزبور بزبورهم ، وبين أهل الفرقان بفرقانهم » .
( 447 ) ومعلوم أنّ هذه القوة في العلم ليست من الكسب ، ولا التحصيل من الخلق . وذلك لانّه كان اما من اللّه الذي هو منبع العلوم كلها ، أو من النبىّ الذي قال : « علمت علوم الأولين والآخرين » . أو من القرآن الذي ورد فيه : « انّه من أراد الاطلاع على علوم الأولين والآخرين فعليه بالقرآن » . ومن هذا قال هو - عم : « تعلمت من رسول اللّه - صم - ألف باب ( من العلم ) . ففتح لي بكلّ باب ألف باب » . وقال النبىّ - صم - « أنا مدينة العلم وعلىّ بابها . فمن أراد المدينة فليقصد الباب » . ومعلوم أنّ دخول المدينة من غير باب ، غير مستحسن عند العقلاء ، لانّ الداخل بهذا الوجه لا يكون الا سارقا ، أو داخلا فيها بغير طريق ، وذلك بالنسبة إلى هذا المقام لا يكون الا فاسقا ، خارجا على أمر اللّه . وليس الكلام معه ، ولا اليه ، كما قال - عزّ وجل :
« وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها »
.
( 448 ) ومن هذا قال هو - عم - في بعض الخطب له ، مخاطبا للصحابة ، بعد حمد اللّه تعالى والثناء عليه : « وقد علمتم موضعي من رسول اللّه - صم - بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة . وضعني في حجره وأنا وليد .
يضمني إلى صدره ، ويكتنفنى في فراشه ، ويمسني بجسده ، ويشمني عرفه ، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه . وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل . ولقد قرن اللّه تعالى به ملكا من لدن أن كان فطيما ، أعظم