الا هنالك ؛ فكل جسم ، قبل الهباء إلى آخر موجود من الأجسام ، فهو طبيعي . وكل ما تولّد من الأجسام الطبيعية من الأمور والقوى والأرواح الجزئية والملائكة والأنوار ، فللطبيعة فيها حكم كلّى قد جعله اللّه تعالى وقدره .
فحكم الطبيعة من الهباء إلى ما دونه . وحكم النفس الكلّيّه من الطبيعة فما دونها . وما فوق النفس ، فلا حكم للطبيعة ولا للنفس فيه » .
( 273 ) وقال الشيخ الأعظم صدر الدين القونوى - قدّس اللّه سرّه - في « مفاتيح الغيب » : « كل ما بعد اللوح المحفوظ من الحقائق والموجودات إلى مقعّر الفلك المكوكب ، من عرش وكرسي وما اشتملا عليه كالجنان وما فيها ، وغير ذلك من صور ونشأة السكان ، فطبيعى غير عنصرى . ومن السماء السابع إلى المركز ، فطبيعى وعنصرى . فاعلم ذلك . وفيما ذكرناه خلاف كثير بين أصحاب النظر من غير طريقنا من الحكماء ، فانّ « المتكلّم » لا حظَّ له في هذا العلم من كونه « متكلّما » ، بخلاف « الحكيم » . فانّ « الحكيم » عبارة عمّن جمع العلم الإلهي والرياضي والطبيعي والمنطقي ؛ وما ثمّ الا هذه الأربع المراتب من العلوم . ويختلف الطريق في تحصيلها بين الفكر والوهب ، وهو الفيض الإلهي ، وعليه طريقة أصحابنا ، ليس لهم في الفكر دخول لما يتطرقه اليه من الفساد ، والصحّة فيه مظنونة ، فلا يوثق بما يعطيه . وأعنى بأصحابنا أصحاب القلوب والمشاهدات والمكاشفات ، لا العبّاد ولا الزهاد ، ولا مطلق الصوفية ، الا أهل الحقائق والتحقيق منهم .
ولهذا يقال في علوم النبوة والولاية : انّها وراء طور العقل ، ليس للعقل فيها دخول بفكر ، لكن له القبول خاصة عند السليم العقل ، الذي لم تغلب شبهة خيالية فكرته ، يكون من ذلك فساد نظره » .
( 274 ) ثم قال : « اعلم انّ العالم كرى الشكل ، لهذا حنّ الإنسان في نهايته إلى بدايته ؛ فكان خروجنا من العدم إلى الوجود به - سبحانه - واليه نرجع كما قال :
« وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ »
. وقال :
« وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ