بين هذا المقام في هذه الحالة وبين « القوسين » ، لانّ هذه الحالة ما فهمنا منها الا القرب المعنوي إلى اللّه ، أو الصوري إلى بعض حضراته ، و « القوسان » ما لهما دخل فيهما ، ولا بدّ من المناسبة ؛ فرعاية لجانبك ، واتساعا لصدرك ، نريد أن نشرع فيه ، فنبيّن وجه الصواب منه . وذلك بأن تعرف أنّ القرآن نزل على قاعدة العرب ولغاتهم واصطلاحهم ، كما قال تعالى :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ »
. فوجب أن يكون لهم في آية نصيب يخاطبهم بها ربّهم ، والا يكون ( ذلك ) عبثا مهملا ، لانّه لو كان على لسانهم ، لكانوا فهموا منه المراد بتخصيص هذا القرب « بالقوسين » . وهو أنّهم كانوا يعبّرون عن أقرب القرب ب
« قابَ قَوْسَيْنِ »
؛ فوجب على اللّه تعالى اخبار قرب النبي - صم - به بعباراتهم ولغاتهم ، ليفهموا المقصود من تلك العبارة ، ويعرفوا قدره ، ويعظموه على حسبه .
( 230 ) وبيان ذلك - برواية أهلهم - هو أنهم إذا أرادوا الصلح بين الطائفتين اللتين كان بينهما حرب أو مخاصمة ، كانوا يقفون هم في الوسط ، و ( تقف ) الطائفتان في مقابلة كل واحدة منهما بطريق المحاذاة . ثم ينزل كبير كل طائفة منهما من فرسه أو جمله ، ويحضر بين تلك العرصة التي بينهما ، حتى يتلاقيا . فإذا تلاقيا ، كان غاية القرب بينهما أن تصل وتر قوس كل واحد منهما إلى وتر ( قوس ) الآخر ، من دون المعانقة البدنية المتعارفة بين العرب ، والمصافحة المشهورة المعتادة بين الناس . وكان العرب يسمّون هذا القرب
« قابَ قَوْسَيْنِ »
. ومعناه : أي قرب قوس كل واحد منهما من قوس الآخر .
فالحكيم الكامل - جلّ جلاله - حيث كان عالما بهم وبعاداتهم المعهودة بينهم ، أخبر عن قرب النبي - صم - به بهذا النوع . وهذا منقول من تفسير بعض علمائنا ، العالمين بهم ( أعنى بالعرب ) وباصطلاحهم على ما ينبغي ، والعهدة عليهم ، وان كان العقل يحكم بصحته . وذلك لأن هذا أقرب الوجوه من ( بين ) الذي قال ( به ) أهل التفاسير ، والا فأىّ مناسبة بين قرب النبي