عرفته في غير هذا المقام ، وفي هذا المقام أيضا . وكلّ من أراد أن يعرف ذلك و ( أن ) تحصل له هذه المرتبة ، لا بدّ له من معرفة الوجود وما يتعلق به ولا سيما ( معرفة ) سر
« قابَ قَوْسَيْنِ »
الذي من أعظم أسراره في هذا المقام .
( 216 ) فالأول ، يجب تقديم ( بحث ) تقسيم الوجود إلى المطلق والمقيّد ؛ ثم تحقيقه وتعيينه ، واثبات أنّه واحد من جميع الوجوه ، وليس فيه كثرة أصلا . - فالأول يجب عليك أن تعرف أنّ الوجود باتفاق المحققين واحد ، وليس فيه كثرة ولا تعدد بوجه من الوجوه ، وليس في الخارج غيره حقيقة ، وهو الموسوم بالوجود المطلق ، والحقّ الواجب القديم ، وغير ذلك .
وهذا بالنظر إلى ذاته وحقيقته . وأما بالنسبة إلى ظهوره وتنزله من الحضرة الأحدية إلى الحضرة الواحدية ، فيجوز أن يقال : المقيّد ، والممكن ، والحادث ، اعتبارا لا حقيقة ، لانّه الكلّ من حيث الأفعال والأسماء والصفات ، والأحد من حيث الذات والوجود ، كما قال ( بعض العرفاء ) : « أحد بالذات ، كلّ بالأسماء » ، وقالوا : « ليس في الوجود سوى اللّه تعالى وأسمائه [ 17 ب ] وصفاته وأفعاله ؛ فالكل هو وبه ومنه واليه » . وقال تعالى هو بنفسه :
« هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . »
وقال :
« أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ؟ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ . »
( 217 ) ولهذا الوجود ، أو الحقّ تعالى ، اعتباران دائما : اعتبار الذات واعتبار الكمالات . فمن حيث الذات ( الحقّ تعالى ) منزّه عن جميع الاعتبارات ، لقوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ . »
ومن حيث الكمال ( هو ) غير غنىّ عن المظاهر والقوابل التي هي مرايا صفاته وأسمائه ، لقوله تعالى : « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق » ، ولقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ .
وعلى الجملة ، هو