يُوحى »
ما يفعل شيئا الا بأمره تعالى وإشارته . وإذا كان كذلك ، فلا يصدر من النبي أصلا شيء الا كما ينبغي ويقع موقعه ، لئلا يتصف بالظلم والجهل المنتفيين عنه بالعقل والنقل . وأيضا لو كان الحق تعالى عالما ، والنبي - صلى اللّه عليه وآله - كذلك بأن هناك أحدا غير الشيخ مستحقا لهذا الكتاب ، لوجب عليهما إيصاله اليه حتى لا يقع منهما المفاسد المذكورة ، من وضع الشيء في غير موضعه . وحيث ما أوصلا الا اليه ، عرفنا أنّ غيره لم يكن يستحقه .
( 192 ) وان قلت : انّ هذا يدلّ على أنه من زمان نبينا - صلى اللّه عليه وآله - إلى يومنا هذا لم يكن أحد آخر يستحق هذا الكتاب دون الشيخ ، والحال ليس كذلك ، فانّ الخلفاء الأربعة والصحابة الكبار كلّهم كانوا أعظم منه باتفاق المسلمين وعلمائهم ، بطبقات كثيرة ومراتب متعددة ، قلنا : سؤالك واقع وكلامك موجّه ، لكن عرفت شيئا وغابت عنك أشياء ! وهو ان تعرف أنّ الأنبياء والأولياء وأرباب الأصول الكلية والقواعد الجملية ، قاعدة مطردة وضابطة مقررة ، بأنّ كل كتاب ينزل على نبي من الأنبياء أو يصل إلى ولىّ من الأولياء - نوما كان أو يقظة ، ظاهرا كان أو باطنا ، - يجب أن يكون مطابقا لحاله ومقامه ، موافقا لامّته وأهل زمانه ، والا لا يجوز انزاله عليهم ولا إيصاله إليهم ، ويقع ذلك الفعل مهملا وعبثا : تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ! وقد سبق الإيماء إلى هذا وقام البرهان عليه ، واليه الإشارة بقوله تعالى أيضا :
« لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ »
.
( 193 ) فتوصيل هذا الكتاب ( فصوص الحكم ) اليه ( الشيخ الحاتمي ) من النبي - صلى اللّه عليه وآله - كان ( من ) هذا ( القبيل ) أعنى رعاية الزمان والمكان والاخوان ، بالنسبة اليه و ( إلى ) أهل زمانه . وهذا معنى قوله تعالى :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ »
وقول النبي - صلى اللّه عليه وآله - : « كلم الناس على قدر عقولهم » . ومثال ذلك مثال الطبيب الصوري ، المبعوث إلى المرضى الصوريين . فان الطبيب ان لم يكن عالما بأمراضهم ، عارفا بعلاجهم ، لا يجوز بعثه إليهم ، لأنه من جهله وقلة معرفته بهم ، يأمرهم بشيء يكون